تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
تعالى . فالآية - كما قال فضل اللّه : - واردة على الأسلوب القرآنيّ الّذي ينسب الأمور كلّها للّه ، انطلاقا بين قانون السببيّة الّتي أودعها اللّه في حركة الحياة والإنسان . 9 - وأنّه يناسق ذلك قوله بعدها مباشرة :
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
مريم : 84 ، حيث إنّه يصرّح بأنّ هذا العمل فعل اللّه تنكيلا بالكافرين إزاء إدبارهم واستكبارهم عن قبول الحقّ . 10 - ويلاحظ أنّ « الأزّ » لم يذكر في القرآن إلّا مع « الشّياطين » ، فكان إيحاؤهم إلى جنودهم وأتباعهم يملأ آذانهم ، فيأخذ عليه الأقطار والنّواحي ، ويسدّ أمامهم كلّ الطّرق حتّى يغووهم فيدخلوهم النّار . وهذا لا يناسب سوى الكافرين دون عباد اللّه الصّالحين :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
النّحل : 99 . 11 - وليس لأحد أن يقول إذا أرسل اللّه الشّياطين على الكافرين فيجب طاعتهم كما يجب على المؤمنين طاعة الرّسل ، وقد حكاه الرّازيّ عن بعضهم ، وأجاب - وقد أجاد - بأنّهم أرسلوا إلى الكافرين ليضلّوهم . فيجب الفرار منهم ، بخلاف الرّسل المرسلين إلى المؤمنين ليهدوهم ؛ حيث يجب على المؤمنين طاعتهم . 12 - وليس للأشاعرة أن يتشبّثوا بالآية بأنّها دليل على أنّ الإضلال من اللّه كما أنّ الهداية منه ، فلا اختيار للعباد ، لأنّ الآية - كما بيّنّا - إنّما هي بصدد بيان خذلان اللّه للكافرين عقوبة وتعذيبا لهم ، وأنّ الكافرين إنّما سلّط عليهم الشّياطين بسوء اختيارهم ، والأمر كلّه بيد اللّه تعالى . 13 - ولقائل أن يقول : ما هي النّكتة في إتيان ضمير المؤنّث للشّياطين ( تؤزّهم ) دون « يؤزّونهم » ؟ فهل فيه استضعاف للشّياطين وتحقير لهم أمام اللّه ، وأنّ كيدهم في تضليل ، أو أنّهم لا يعدّون من ذوي العقول ، وأنّ مثلهم كمثل الأنعام الّتي لا تعقل ، أم فيه نكتة أخرى ؟ 14 - وظهر من ذلك كلّه أنّ « الأزّ » لا يليق إلّا بمثل هذا المقام ، فلعلّ في عدم ذكره في القرآن - إلّا هنا - دليلا على أنّه لغة لم يستعملها العرب إلّا نادرا لمقاصد خاصّة ، واللّه أعلم .