تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
، وصوت الشّياطين ، سواء علا أم انخفض ، لأنّ أصوات الشّياطين لها دويّ في القلوب دون الآذان ، فيحذر منها ويخاف وتتجنّب كيف كانت . 3 - وإذا أدّى الصّوت والهمس إلى هزّة في أعماق « المأزوزين » تلك الهزّة فستحرّكهم وتهيّجهم وتغريهم إلى ما أريد بها ، كما أنّها ستزعجهم بشدّة وعنف ، فلقد أخذ فيه معنى الشّدّة والغليان على ما تقدّم في النّصوص .

الاستعمال القرآنيّ

من روعة الإعجاز البلاغيّ والبيانيّ في هذه الآية
تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
أمور : 1 - أنّها جمعت بين الفعل والمصدر استنادا إلى الشّياطين المذكورين قبلها ، تأكيدا على شدّة إغواء الشّياطين للكافرين ، وهذا ما يؤيّده القرآن من سلطان الشّياطين على من اتّبعهم :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
الحجر : 42 . 2 - وأنّه لا يدرك مدى التّناسق بين هذا وبين ما قبله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ
فالشّياطين مرسلون « على » الكافرين لا « إلى » الكافرين ، فإنّهم مسيطرون عليهم سيطرة الطّواغيت على الأمم المستضعفة ، فيفعلون بهم ما يفعلون . وهذا هو الفارق بين إرسال الشّياطين وإرسال الرّسل ، فإنّ الرّسل مرسلون « إلى » العباد لا « على » العباد ، مبشّرين ومنذرين ، وليس لهم سيطرة ظالمة على النّاس بخلاف شياطين الإنس والجنّ . ويتبادر إلى الذّهن إثر ذلك أنّ الشّياطين مثلهم مثل الكلاب تبعث على السّارق والجاني ، فالشّياطين كلاب اللّه يسلّطها على الكافرين تؤزّهم أزّا وتزعجهم من الطّاعة إلى المعصية ، ثمّ من الجنّة إلى النّار ، تزعجهم إزعاجا شديدا . 3 - وأنّ هذا « الأزّ » يحكي عن أنّ ذلك خلاف فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها ، وأنّه حركة قسريّة وانحراف عن الصّراط المستقيم ، نشأ عن كفرهم وعنادهم الّذي هو أيضا فسق وخروج عن الفطرة . 4 - وأنّ الإرسال تمّ في الزّمن الماضي ( أرسلنا ) والأزّيستمرّ في الحاضر والمستقبل ( تؤزّهم ) . 5 - وأنّ ما يجده الكافرون من مشاعر إنّما هي من وحي الشّياطين وإيحائهم ، وبالتّالي هو وحي عن كفرهم . 6 - وأنّ الكافرين يعيشون في دوّامة من أصوات الشّياطين تسيطر عليهم وتحيط بهم و ( تؤزّهم ازّا ) بحيث لا يبقى لهم أدنى مجال للاستماع إلى صوت الهداية والحقّ ، فمن سيطر عليه الشّيطان لا يسمع نداء الرّحمان . 7 - وأنّ الشّياطين طبيعتهم الأزّ للكافرين وإغواؤهم بشدّة عن السّبيل ، ولا تنفكّ عنهم هذه الخصلة أبدا ، ولا ينسون ولا يغفلون عن ذلك . فهم مراقبون الكافرين مراقبة ألدّ الخصام خصمه ، أو السّبع المفترس صيده . 8 - وأنّ ذلك تطمين للمؤمنين بأنّ هذا الّذي يحدث من قبل الشّياطين والكافرين ليس خارجا عن قدرة اللّه سبحانه
وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
الزّمر : 51 ، إنّما ذلك ابتلاء وعقوبة منه سبحانه لأولئك الكافرين ، لأنّ هذا الأزّ صادر عن الشّياطين ، وما هم إلّا مرسلون من قبله
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 245 | مجمع البحوث الاسلامية