تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
من كونها في الأصل مطلق ما يتّكأ عليه ، ومنه السّرير . وما هذا التّقييد إلّا تأثّرا في الأسلوب القرآنيّ ، إذ وصف حياة أهل الجنّة بحياة الأثرياء والملوك كجلوسهم على الأرائك تحت الأظلّة ، فلهذا فسّروه بذلك . كما وصفوها بأنّها سرير منجّد مزيّن في قبّة أو بيت ، أو سرير مزيّن بحجلة ، وهي البيت المزيّن للعروس . فتفسير الآيات بهذه القيود بقرينة السّياق ، وليس فيها دلالة على دخولها في المعنى اللّغويّ . 5 - وتفسير الأرائك بالفرش في الحجال ، أو الفرش فوق الأسرّة ، أو الحجال فيها الأسرّة ونحوها ممّا جاءت في النّصوص مسامحة أو توسّعا في التّعبير ، من باب تسمية الشّيء باسم قرينه ومتعلّقه ، والأصل هو السّرير أو مطلق ما يتّكأ عليه أو مطلق ما يستراح عليه تحت ظلّ .

الاستعمال القرآنيّ

جاءت « أرائك » في « 5 » آيات ، وقد تقدّم ذكرها في صدر النّصوص التّفسيريّة ، ويلاحظ فيها ما يلي : 1 - لم يستعمل هذا اللّفظ في القرآن إلّا بصيغة الجمع ، وصفا لأهل الجنّة ؛ بأنّ لهم أرائك ، أي لكلّ واحد منهم أريكة ، أو لكلّ منهم أرائك متعدّدة أيضا ، دلالة على التّوسّع في العيش . 2 - وقد جاء في ثلاث سور مكّيّة ، وفي سورة مختلف في مكان نزولها ؛ أفي مكّة أم في المدينة ؟ وهي سورة الدّهر الّتي يفصح سياقها عن كونها مكّيّة ، إلّا أنّ الرّوايات تعدّها من السّور المدنيّة ، وهي نازلة في شأن آل البيت عليهم السّلام . واستعمال ألفاظ كهذا في السّور المكّيّة يبعث على التّرغيب والإغراء ، فأهل مكّة في بداوتهم كانوا محرومين من هذه الأرائك ، فكانوا يستأنسون بذكرها في القرآن ، ويتشوّقون إليها . 3 - وتبيّن الآيات الثّلاث الأولى أنّ أهل الجنّة متّكئون على الأرائك ، وتبيّن الأخيرتان أنّهم على الأرائك ينظرون ، كما ورد في آية « يس » :
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ
يس : 56 ، وفي الدّهر :
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ،
الدّهر : 13 ، 14 . فإذا كانت ( الأرائك ) في ظلال من الشّمس فلا وجه لكونها في الحجال إلّا تشريفا لهم وسترا عن غيرهم ، والحال أنّهم ينظرون إلى ما يحبّون . وإيراد ذكر أزواجهم معهم على الأرائك - وهي الحجال - تعبير عن تمتّعهم بهنّ إذا شاؤوا ، لأنّ الحجلة معدّة للعروس . 4 - وفي سياق هذه الآيات - وأكثر ما جاءت في شأن أهل الجنّة - يصف القرآن حياة هؤلاء بصفة الأثرياء ذوي النّعمة والملوك وأرباب القصور بكلّ ما فيها من السّرر والحجال والأواني وضروب المآكل والمشارب والملابس . فالأرائك ليست سررا عاديّة ، وإنّما هي من قبيل ما يجلس عليه الملوك والمترفون ، وهذا جزاء ما صبروا على الرّزايا والمآسي في هذه الحياة الفانية .