يستريح عن تعب الجرح ، كما يستريح المسافر تحت ظلّ الأراك عن حرّ الشّمس وعناء السّفر . ومنه أيضا قولهم :
آركهم أن يفعل ذلك ، أي أخلقهم ، لكون الخلق يدلّ على الثّبوت والدّوام أو لأنّ تلك الحالة الهادئة توجب للمتخلّق الأمن والثّبات والرّاحة كالمستريح تحت شجر الأراك .
2 - وحكى ابن دريد : ورك بالمكان يرك وروكا ، إذا أقام به ، فهو وارك . وهذه اللّغة أصلها « الهمز » ، وليس لها أصل في « الواو » باتّفاق اللّغويّين أجمع ، غير أنّ الهمزة قلبت واوا للخفّة ، وهي لغة يمانيّة . ولكنّ ابن دريد عقّبها بلغة « الهمز » قائلا : وأرك يأرك أروكا ، هي اللّغة الفصحى . فقد اعتبر لغة « الواو » غير فصيحة ، كما هو ديدن سائر اللّغويّين عند اجتماع اللّغتين : الواو والهمزة في بعض الموادّ ؛ إذ يعدّون لغة « الواو » لغة العامّة أو لغة ضعيفة ، لأنّهم يقيسون فصاحة اللّغة وعدم فصاحتها بلغة سكّان البادية . فهم كانوا يشدّون الرّحال إليها ، ليشافهوا الأعراب في كلّ شاردة وواردة ، ثمّ يقيسون كلام العرب في الحضر بما جمعوه ودوّنوه من كلام الأعراب في البادية ، فإن وافقه رفعوه وإن باينه وضعوه .
ولا يستثنون من هذا القياس أيّ كلام ولو كان كلام اللّه ؛ فقد جعل ابن السّكّيت قوله تعالى :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
التّوبة : 106 ، وقوله :
أَرْجِهْ وَأَخاهُ *
الأعراف : 111 ، والشّعراء : 36 . في باب « ما يهمز ممّا تركت العامّة همزه » من كتابه « إصلاح المنطق ص 146 » ، لأنّهما جاءا بلغة أهل الحجاز ومكّة والمدينة والطّائف الّذين لا يهمزون ، وهي خلاف لغة أهل البادية الّذين يهمزون .
وقد قرئ ( مرجؤن ) و ( أرجئه ) بالهمز فيهما أيضا .
3 - وتكاد الأقوال تتّفق في أنّ الأرائك جمع ، مفردها : أريكة على زنة « فعيلة » ، لكنّها تختلف في أصلها أهو شجر الأراك أم الإقامة من : أرك بالمكان ، بمعنى أقام فيه ؟ كما اختلفوا في التّوفيق بين الأصلين ، فقد اختار بعضهم الأصل الواحد ، وجعلوه دالّا على الإقامة ، وهي تعني الدّوام والثّبوت ، كما قدّمنا . ولعلّ وجه تسمية هذا الضّرب من الشّجر بالأراك ، لإقامة النّاس والدّوابّ عندها وفي ظلّها ، أو بالعكس كما احتملنا ، وربّما لصيغة « فعيل » الدّالّة على الثّبوت أثر في دلالة هذا اللّفظ على الإقامة المكانيّة .
ولا يبعد أن تكون معانيها مشتقّة من أصلين كما اختاره ابن فارس ، إلّا أنّ الرّأي الأوّل يمكن توجيهه بأنّ حقيقته الإقامة ؛ فالبدويّ في الصّحاري لا يستريح ولا يقيم إلّا في ظلّ الأشجار البرّيّة الّتي منها الأراك ، فانتقل اللّفظ إلى الشّجرة - أو بالعكس انتقل اسم الشّجرة إلى الإقامة كما سبق - ثمّ إلى كلّ ما يستريح إليها وعليها الإنسان ، حتّى سمّيت السّرر أرائك كما سمّيت الأرض ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية أريكة ، باعتبارها سكنا للنّاس خلافا للرّبع الخالي من الجزيرة ، كما أنّ الإبل لا تمشي في مبركها بل تقيم فيه .
4 - وهل الأريكة لا تكون إلّا إذا كان عليها حجلة كما في أكثر النّصوص ؟ - وهو أشبه وأنسب بشجر ( الأراك ) الّتي يستريحون تحتها - أو هي كلّ ما يتّكأ عليه من سرير ومنصّة وفراش ، أو مطلق السّرير ؟ لا يبعد