وبين من يخصّها بالوراثة الدّنيويّة ، ويحملها على زمان ظهور الإسلام أو ظهور المهديّ عليه السّلام الّذي أخبر به النّبيّ صلّى اللّه عليه واله في الأخبار المتواترة المرويّة من طرق الفريقين ، ويتمسّك لذلك بالآيات المناسبة له الّتي أومأنا إلى بعضها .
وبالجملة الآية مطلقة تعمّ الوراثتين جميعا ، غير أنّ الّذي يقتضيه الاعتبار بالسّياق أن تكون معطوفة على قوله السّابق :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
الأنبياء : 94 ، إلخ المشير إلى تفصيل حال المختلفين في أمر الدّين من حيث الجزاء الأخرويّ ، وتكون هذه الآية مشيرة إلى تفصيلها من حيث الجزاء الدّنيويّ ، ويكون المحصّل أنّا أمرناهم بدين واحد ، لكنّهم تقطّعوا واختلفوا فاختلف مجازاتنا لهم ، أمّا في الآخرة فللمؤمنين سعي مشكور وعمل مكتوب وللكافرين خلاف ذلك ، وأمّا في الدّنيا فللصّالحين وراثة الأرض بخلاف غيرهم .
( 14 : 330 )
فضل اللّه : الأرض يرثها عبادي الصّالحون
كيف يجب أن يفكر أتباع الرّسالات الّذين يعيشون الإيمان فكرا وموقفا ومنهج حياة ؟ هل يواجهون المستقبل ، الّذي يتحرّك من حاضر مليء بالصّعوبات والتّحدّيات الّتي يمثّلها الكافرون والمنافقون والمشركون والضّالّون وقوى الشّرّ والظّلم والطّغيان ؟ هل يتساقطون في وهدة اليأس أمام ذلك كلّه ، أو يتماسكون في مواقفهم ، ليتطلّعوا إلى الأمل الكبير القادم من وعد اللّه لعباده الصّالحين بالنّصر الرّساليّ في نهاية المطاف ؟
إنّ اللّه يوحي إلى المؤمنين الصّالحين بأنّ المسألة لا تحتمل الشّكّ ، بل هي في حجم الحقيقة الكونيّة الّتي يمثّلها التّكوين الإلهيّ ، في نهاية الحياة .
ولهذا فإنّ عليهم أن يتابعوا الجهاد في كلّ المواقع ، ويؤكّدوا الرّسالة في جميع المواقف ، ليثيروا قضايا الحقّ في كلّ مجالات الحياة ، وكلّ مواقع الإنسان ، ويتحمّلوا الكثير الكثير من المشاكل والآلام والتّضحيات ، لأنّ ذلك هو الّذي يحقّق للمستقبل ثباته وقوّته ، ويدفع به إلى الآفاق الرّحبة في موعد الشّروق .
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ
الّذي أنزله اللّه على داود عليه السّلام
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
وهو التّوراة - كما قيل - لأنّ اللّه سمّاها به في قوله تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
النّحل : 43 .
وقيل : هو القرآن لأنّ اللّه أطلق عليه ذلك في أكثر من آية
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ،
فيسيطرون عليها سيطرة حكم وقيادة ورسالة ، فينفّذون برنامج الرّسالات الّذي يحوّل الأرض إلى ساحة للإيمان باللّه وإطاعة أوامره ، وربّما يضاف إلى ذلك وراثة الأرض ، في ما وعد اللّه عباده المتّقين ، في وراثة الأرض الّتي تطلّ على الجنّة الّتي يتبوّأون فيها مواقعهم كما يشاؤون .
فهم الّذين يرثون الحياة كلّها في الدّنيا والآخرة ، ليشعروا بالثّقة ، بأنّ الأرض ليست مجرّد فرصة للأشرار ، في حكمهم وعبثهم وفسادهم ، بل قد تكون - ولو في نهاية المطاف - فرصة للأخيار من أتباع الرّسالات ، لينطلقوا بالحركة الرّساليّة ، لتشمل الحياة كلّها في مواردها ومصادرها وأوضاعها وأشخاصها . . . ، ليكونوا