تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
إلّا الجنّة . وأمّا رابعا : فقد روي في الخبر أنّها أرض الجنّة ، فإنّها بيضاء نقيّة . وثانيها : أنّ المراد من ( الأرض ) أرض الدّنيا ، فإنّه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدّنيا ، وهو قول الكلبيّ ، وابن عبّاس في بعض الرّوايات . ودليل هذا القول قوله سبحانه :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
النّور : 55 ، إلى قوله :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ،
وقوله تعالى :
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
الأعراف : 128 . وثالثها : هي الأرض المقدّسة يرثها الصّالحون ، ودليله قوله تعالى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها
الأعراف : 137 ، ثمّ بالآخرة يورثها أمّة محمّد صلّى اللّه عليه واله عند نزول عيسى بن مريم عليه السّلام . ( 22 : 229 ، 230 ) نحوه الآلوسيّ . ( 17 : 103 ) البروسويّ : قال في عرائس البقلي : كان في علم الأزليّة أنّ أرض الجنان ميراث عباده الصّالحين من الزّهّاد والعبّاد والأبرار والأخيار ، لأنّهم أهل الأعواض والثّواب والدّرجات وأنّ مشاهدة جلال أزليّته ميراث أهل معرفته ومحبّته وشوقه وعشقه ، لأنّهم في مشاهدة الرّبوبيّة وأهل الجنّة في مشاهدة العبوديّة . قال سهل : أضافهم إلى نفسه وحلّاهم بحلية الصّلاح ، معناه : لا يصلح لي إلّا ما كان لي خالصا لا يكون لغيري فيه أثر ، وهم الّذين أصلحوا سريرتهم مع اللّه وانقطعوا بالكلّيّة عن جميع ما دونه . ( 5 : 527 ) الطّباطبائيّ : المراد من « وراثة الأرض » انتقال التّسلّط على منافعها إليهم ، واستقرار بركات الحياة بها فيهم . وهذه البركات إمّا دنيويّة راجعة إلى الحياة الدّنيا كالتّمتّع الصّالح بأمتعتها وزيناتها ؛ فيكون مؤدّى الآية أنّ ( الأرض ) ستتطهّر من الشّرك والمعصية ، ويسكنها مجتمع بشري صالح ، يعبدون اللّه ولا يشركون به شيئا ، كما يشير إليه قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
إلى قوله
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
النّور : 55 . وإمّا أخرويّة وهي مقامات القرب الّتي اكتسبوها في حياتهم الدّنيا ، فإنّها من بركات الحياة الأرضيّة ، وهي نعيم الآخرة ، كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنّة :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
الزّمر : 74 ، وقوله :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ
المؤمنون : 10 ، 11 . ومن هنا يظهر أنّ الآية مطلقة ، ولا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين كما فعلوه ، فهم بين من يخصّها بالوراثة الأخرويّة تمسّكا بما يناسبها من الآيات ، وربّما استدلّوا لتعيّنه بأنّ الآية السّابقة تذكر الإعادة ، ولا أرض بعد الإعادة حتّى يرثها الصّالحون . ويردّه أنّ كون الآية معطوفة على سابقتها غير متعيّن ، فمن الممكن أن تكون معطوفة على قوله السّابق :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ
الأنبياء : 94 ، كما سنشير إليه .