مشركي قومه بقوله :
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
الرّعد : 40 ، ثمّ وبّخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ، بما يعاينون من فعل اللّه بضربائهم من الكفّار ، وهم مع ذلك يسألون الآيات ، فقال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
بقهر أهلها ، والغلبة عليها ، من أطرافها وجوانبها ، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك . ( 13 : 174 ، 175 )
الطّوسيّ : يقول اللّه تعالى لهؤلاء الكفّار على وجه التّنبيه لهم على الاعتبار بأفعال اللّه : أوما يرون أنّا ننقص الأرض من أطرافها ؟ !
وقيل في معناه أربعة أقوال :
[ فحكى قول ابن عبّاس ، والحسن ، والضّحّاك ، ومجاهد إلى أن قال : ]
والنّقص أخذ الشّيء من الجملة ، وفي فلان نقص ، أي نقص منزلة عن منزلة عظيمة في المقدور أو المعلوم ، والثّاني للأمور . ( 6 : 265 )
الزّمخشريّ : أرض الكفر
نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
بما نفتح على المسلمين من بلادهم ، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام ؛ وذلك من آيات النّصرة والغلبة ، ونحوه :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
الأنبياء : 44 ،
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ
فصّلت : 53 . ( 2 : 363 )
الطّبرسيّ : أي نقصدها .
واختلف في معناه على أقوال :
أحدها : أو لم ير هؤلاء الكفّار أنّا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها ، ومجازه : ننقص أهلها من أطرافها ، كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
أي أفلا يخافون أن نفعل مثل ذلك بهم ، عن ابن عبّاس ، وقتادة ، وعكرمة .
وثانيها : ننقصها بذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها ، عن عطاء ، ومجاهد ، والبلخيّ . وروي نحو ذلك عن ابن عبّاس ، وسعيد بن جبير . وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال عبد اللّه بن مسعود : موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ما اختلف اللّيل والنّهار .
وثالثها : أنّ المراد نقصد الأرض
نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
بالفتوح على المسلمين ، معناه فننقص من أهل الكفر ونزيد في المسلمين ، يعني ما دخل في الإسلام من بلاد الشّرك ، عن الحسن ، والضّحّاك ، ومقاتل . قال الضّحّاك : أولم ير أهل مكّة أنّا نفتح لمحمّد صلّى اللّه عليه واله ما حولها من القرى . وقال الزّجّاج : علم اللّه تعالى أنّ بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر ، أي أفلا يخافون أن نفتح لمحمّد أرضهم كما فتحنا له غيرها . وقد روي ذلك أيضا عن ابن عبّاس . قال القاضيّ : وهذا القول أصحّ ، لأنّه يتّصل بما وعده من إظهار دينه ونصرته .
ورابعها : أنّ معناه أولم يروا ما يحدث في الدّنيا من الخراب بعد العمارة ، والموت بعد الحياة ، والنّقصان بعد الزّيادة ؟ ! عن الجبّائيّ . ( 3 : 300 )
الفخر الرّازيّ : فيه أقوال :
القول الأوّل : المراد أنّا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها ؛ وذلك لأنّ المسلمين يستولون على أطراف مكّة ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا ، فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوّة المسلمين من أقوى العلامات