الطّوسيّ : إنّ الحقّ لمّا كان يدعو إلى الأفعال الحسنة ، والأهواء تدعوا إلى الأفعال القبيحة ، فلو اتّبع الحقّ داعي الهوى لدعاه إلى قبيح الأعمال وإلى ما فيه الفساد والاختلاط ، ولو جرى الأمر على ذلك لفسدت السّماوات والأرض ومن فيهنّ .
ووجه فساد العالم بذلك : أنّه يوجب بطلان الأدلّة وامتناع الثّقة بالمدلول عليه ، وأنّه لا يؤمن وقوع الظّلم ، الّذي لا ينصف منه ، وتختلط الأمور أقبح الاختلاط ، ولا يوثق بوعد ولا وعيد ، ولا يؤمن انقلاب عدل الحكيم ، وهذا معنى عجيب .
وقال قوم من المفسّرين : إنّ الحقّ - في الآية - هو اللّه ، والتّقدير : لو اتّبع الحقّ ، أعني اللّه أهواء هؤلاء الكفّار ، وفعل ما يريدونه لفسدت السّماوات والأرض .
وقال الجبّائيّ : المعنى لو اتّبع الحقّ - الّذي هو التّوحيد - أهواءهم في الإشراك معه معبودا سواه ، لوجب أن يكون ذلك المعبود مثلا له ، ولصحّ بينهما الممانعة ، فيؤدّي ذلك إلى الفساد كما قال تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
( 7 : 382 )
نحوه الطّبرسيّ ( 4 : 112 ) ، والميبديّ ( 6 : 454 ) .
الزّمخشريّ : دلّ بهذا على عظم شأن الحقّ وأنّ السّماوات والأرض ما قامت ولا من فيهنّ إلّا به ، فلو اتّبع أهواءهم لا نقلب باطلا ، ولذهب ما يقوم به العالم ، فلا يبقى بعده له قوام . أو أراد أنّ الحقّ الّذي جاء به محمّد صلى اللّه عليه وسلم هو الإسلام ، ولو اتّبع أهواءهم وانقلب شركا لجاء اللّه بالقيامة ، ولأهلك العالم ولم يؤخّر . ( 3 : 37 )
الفخر الرّازيّ : في تفسيره وجوه :
الأوّل : أنّ القوم كانوا يرون أنّ الحقّ في اتّخاذ آلهة مع اللّه تعالى . لكن لو صحّ ذلك لوقع الفساد في السّماوات والأرض على ما قرّرنا في قوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
الأنبياء : 22 .
الثّاني : أنّ أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، هما منشأ المفسدة ، والحقّ هو الإسلام ، فلو اتّبع الإسلام قولهم لعلم اللّه حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه .
الثّالث : أنّ آراءهم كانت متناقضة فلو اتّبع الحقّ أهواءهم لوقع التّناقض ولا ختلّ نظام العالم .
( 23 : 112 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 18 : 30 )
أبو السّعود : خرجت عن الصّلاح والنّظام بالكلّيّة ، لأنّ مناط النّظام ليس إلّا ذلك ، وفيه تنويه شأن الحقّ والتّنبيه على سموّ مكانه ما لا يخفى وأمّا ما قيل :
لو اتّبع الحقّ الّذي جاء به عليه السّلام أهواءهم وانقلب شركا لجاء اللّه تعالى بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخّر ، ففيه أنّه لا يلائم فرض مجيئه عليه السّلام به . وكذا ما قيل : لو كان في الواقع ، إلهان لا يناسب المقام .
وأمّا ما قيل : لو اتّبع الحقّ أهواءهم ، لخرج عن الإلهيّة ، فممّا لا احتمال فيه أصلا . ( 4 : 38 )
البروسويّ : [ قال نحو أبي السّعود وأضاف : ]
قال بعضهم : لولا أنّ اللّه أمر بمخالفة النّفوس ومباينتها لاتّبع الخلق أهواءهم وشهواتهم ، ولو فعلوا ذلك لضلّوا عن طريق العبوديّة وتركوا أوامر اللّه تعالى وأعرضوا عن طاعته ولزموا مخالفته ، والهوى يهوي