ووجه الفساد بهذه الأقوال الّتي قيلت ، إنّها كلّها كبائر عظيمة ومعاص جسيمة ، وزادها تغليظا إصرارهم عليها . والأرض متى كثرت معاصي أهلها وتواترت ، قلّت خيراتها ونزعت بركاتها ومنع عنها الغيث الّذي هو سبب الحياة ، فكان فعلهم الموصوف أقوى الأسباب لفساد الأرض وخرابها ، كما أنّ الطّاعة والاستغفار سبب لكثرة الخيرات ونزول البركات ونزول الغيث ، ألا ترى قوله تعالى :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
نوح : 10 ،
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
الجنّ : 16 ،
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
الأعراف : 96
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
المائدة : 66 ، الآيات .
وقد قيل في تفسيره ما روي في الحديث : من أنّ الفاجر « 1 » يستريح منه العباد والبلاد والشّجر والدّوابّ ، أنّ معاصيه يمنع اللّه بها الغيث فيهلك البلاد والعباد لعدم النّبات وانقطاع الأقوات .
والنّهي عن الإفساد في الأرض من باب النّهي عن المسبّب والمراد النّهي عن السّبب ، فمتعلّق النّهي حقيقة هو مصافاة الكفّار وممالأتهم [ معاونتهم ] على المؤمنين بإفشاء السّرّ إليهم ، وتسليطهم عليهم لإفضاء ذلك إلى هيج الفتن المؤدّي إلى الإفساد في الأرض ، فجعل ما رتّب على المنهيّ عنه حقيقة منهيّا عنه لفظا ، والنّهي عن الإفساد في الأرض كالنّهي في قوله تعالى :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
البقرة : 60 ، وليس ذكر الأرض لمجرّد التّوكيد بل في ذلك تنبيه على أنّ هذا المحلّ الّذي فيه نشأتكم وتصرّفكم ، ومنه مادّة حياتكم وهو سترة أمواتكم ، جدير أن لا يفسد فيه ؛ إذ محلّ الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محلّ الإفساد ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
الأعراف :
56 ، وقال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
الملك : 15 ، وقال تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها * أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها * وَالْجِبالَ أَرْساها * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
النّازعات : 30 - 33 ، وقوله تعالى :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
عبس : 25 ، إلى غير ذلك من الآيات المنبّهة على الامتنان علينا بالأرض ، وما أودع اللّه فيها من المنافع الّتي لا تكاد تحصى . ( 1 : 64 )
الآلوسيّ : الفساد : التّغيّر عن حالة الاعتدال والاستقامة ، ونقيضه الصّلاح ، والمعنى لا تفعلوا ما يؤدّي إلى الفساد ، وهو هنا الكفر ، كما قاله ابن عبّاس ، أو المعاصي ، كما قاله أبو العالية ، أو النّفاق الّذي صافوا به الكفّار فأطلعوهم على أسرار المؤمنين ، فإنّ كلّ ذلك يؤدّي - ولو بالوسائط - إلى خراب الأرض وقلّة الخير ونزع البركة وتعطّل المنافع .
وإذا كان القائل بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله ممّن شاركهم في الكفر ، يحمل الفساد على هيج الحروب والفتن الموجب لانتفاء الاستقامة ، ومشغوليّة النّاس بعضهم ببعض ، فيهلك الحرث والنّسل .
ولعلّ النّهي عن ذلك لخور أو تأمّل في العاقبة ، وإراحة النّفس عمّا ضرره أكبر من نفعه ، ممّا يميل إليه الحذّاق . على أنّ في أذهان كثير من الكفّار إذ ذاك توقّع
هامش
( 1 ) كذا ، والظّاهر لا يستريح .