الإفساد . كما قال جلّ ثناؤه في كتابه مخبرا عن قيل ملائكته :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
البقرة : 30 ، يعنون بذلك أتجعل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك . فكذلك صفة أهل النّفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربّهم ، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه ، وتضييعهم فرائضه ، وشكّهم في دين اللّه الّذي لا يقبل من أحد عملا إلّا بالتّصديق به ، والإيقان بحقّيّته ، وكذبهم المؤمنين بدعواهم ، غير ما هم عليه مقيمون من الشّكّ والرّيب ، وبمظاهرتهم أهل التّكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء اللّه ، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا . ( 1 : 126 )
نحوه الطّوسيّ . ( 1 : 74 )
الزّمخشريّ : الفساد في الأرض : هيج الحروب والفتن ، لأنّ في ذلك فساد ما في الأرض ، وانتفاء الاستقامة عن أحوال النّاس والزّروع والمنافع الدّينيّة والدّنيويّة قال اللّه :
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
البقرة : 205 ،
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
البقرة : 30 .
ومنه قيل لحرب كانت بين طيّء : حرب الفساد . ( 1 : 179 )
الفخر الرّازيّ : الفساد : خروج الشّيء عن كونه منتفعا به ، ونقيضه الصّلاح فأمّا كونه فسادا في الأرض ، فإنّه يفيد أمرا زائدا ، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : قول ابن عبّاس ، والحسن ، وقتادة ، والسّدّيّ : إنّ المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية اللّه تعالى ، وتقريره ما ذكره القفّال رحمه اللّه ، وهو أنّ إظهار معصية اللّه تعالى إنّما كان إفسادا في الأرض ، لأنّ الشّرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسّك الخلق بها زال العدوان ولزم كلّ أحد شأنه ، فحقنت الدّماء وسكنت الفتن ، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها .
أمّا إذا تركوا التّمسّك بالشّرائع وأقدم كلّ أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب ، ولذلك قال تعالى :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
محمّد : 22 ، نبّههم على أنّهم إذا أعرضوا عن الطّاعة لم يحصلوا إلّا على الإفساد في الأرض به .
وثانيها : أن يقال : ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم ، لأنّهم لمّا مالوا إلى الكفر - مع أنّهم في الظّاهر مؤمنون - أوهم ذلك ضعف الرّسول صلى اللّه عليه وسلم وضعف أنصاره ، فكان ذلك يجرّئ الكفرة على إظهار عداوة الرّسول ، ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة ؛ وفيه فساد عظيم في الأرض .
وثالثها : قال الأصمّ : كانوا يدعون في السّرّ إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، وإلقاء الشّبه . ( 2 : 66 )
أبو حيّان : إفسادهم في الأرض بالكفر قاله ابن عبّاس ، أو المعاصي قاله أبو العالية ومقاتل ، أو بهما قاله السّدّيّ عن أشياخه ، أو بترك امتثال الأمر واجتناب النّهي قاله مجاهد ، أو بالنّفاق الّذي صافوا به الكفّار وأطلعوهم على أسرار المؤمنين ذكره عليّ بن عبيد اللّه ، أو بإعراضهم عن الإيمان برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والقرآن ، أو بقصدهم تغيير الملّة قاله الضّحّاك ، أو باتّباعهم هواهم ، وتركهم الحقّ مع وضوحه قاله بعضهم . [ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ وأضاف : ]