اسمه بلعم بن باعورا كان يملك الاسم الأعظم ، وقيل : إنّه شخص معاصر للدّعوة الإسلاميّة ، كان يعرف الكثير من آيات اللّه وتعاليمه ، ولكن هذا الشّخص انحرف عن الخطّ المستقيم ، فلم ينتفع بما يملك من المعرفة ، ولم ينفتح على الآفاق الرّحبة العالية الّتي ترفعه إلى اللّه في عمليّة سموّ وطهر وإيمان ، بل هوى إلى الأرض في حالة انحطاط روحيّ وفكريّ ، فلم يتطلّع إلّا إلى الأجواء السّفلى الّتي تربط مطامحه بالتّراب ولا شيء إلّا الآّراب . . . وهذا ما نريد أن نتابعه مع هاتين الآيتين :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
في ما رزقناه من وسائل المعرفة ، في ما يهدي إليه العقل أو الوحي ،
فَانْسَلَخَ مِنْها
وابتعد عنها في عمليّة رفض وانحراف ،
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
الأعراف : 175 ، 176 ، لأنّ الفكر الّذي تمثّله هو فكر الذّرى الشّمّاء الّذي ينظر إلى أعالي الأمور ، ولا يتطلّع إلى أسافلها ؛ حيث الرّوحيّة المنفتحة على اللّه في آفاق المطلق .
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
والتصق بها ، وأقبل عليها في عبادة وخضوع ونهم إلى التّراب . والالتصاق بالأرض ، يعني الانغماس في القيم المادّيّة الّتي لا تنبض فيها خفقة من قلب ، ولهفة من روح ، ونبضة من وحي ، بل تتجمّع فيها كلّ أنانيّة النّفس الأمّارة بالسّوء ، وشهوات الجسد الباحث أبدا عن المتعة الحسّيّة وأطماع الذّات الّتي لا تفكّر إلّا بمطامعها ولو على حساب الآخرين ، وبذلك يسترخي الإنسان مع أجواء السّعادة الحسّيّة المادّيّة . ويستريح للخطوات اللّاهثة وراء الرّغبة ، ويبتعد رويدا رويدا عن كلّ آفاق الرّوح الباحثة أبدا عن المطلق في رحاب اللّه ؛ حيث يعيش الإنسان إنسانيّته في أريحيّة القيم
وَاتَّبَعَ هَواهُ .
. . .
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
الأعراف : 176 ( 10 : 286 )
الاستخلاف في الأرض
1 -
. . . إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . . .
البقرة : 30
الطّوسيّ : قيل : إنّ ( الأرض ) أراد بها مكّة ، روي ذلك عن ابن سارط « 1 » ، أنّ النّبيّ قال : « دحيت الأرض من مكّة » ولذلك سمّيت أمّ القرى . قال : « دفن نوح وهود ، وصالح ، وشعيب بين زمزم والمقام » .
وقال قوم : إنّها الأرض المعروفة ، وهو الظّاهر .
( 1 : 131 )
مثله الطّبرسيّ ( 1 : 74 ) ، والقرطبيّ ( 1 : 263 ) .
الفخر الرّازيّ : الظّاهر أنّ ( الأرض ) الّتي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب . وروى عبد الرّحمان بن سابط عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « دحيت الأرض من مكّة وكانت الملائكة تطوف بالبيت ، وهم أوّل من طاف به ، وهو في الأرض الّتي قال اللّه تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . . . »
.
والأوّل أقرب إلى الظّاهر . ( 2 : 165 )
النّيسابوريّ : الظّاهر أنّ ( الأرض ) يراد بها ما بين الخافقين . وقد روي عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أنّ الأرض هاهنا أرض مكّة الّتي دحيت الأرض من تحتها » . ( 1 : 231 )
أبو حيّان : قوله : ( في الأرض ) ظاهره الأرض
هامش
( 1 ) كذا ، والصّواب ( سابط ) . كما عن الفخر الرّازيّ .