تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
كلّها أرض ، وسائر متاعها مستخرج من الأرض . والإخلاد إلى الأرض كناية عن الإعراض عن ملازمة الآيات والعمل بمقتضاها ، والكناية أبلغ من التّصريح . ( 3 : 278 ) رشيد رضا : أي ولكنّه اختار لنفسه التّسفّل المنافي لتلك الرّفعة ، بأن أخلد ومال إلى الأرض وزينتها ، وجعل كلّ حظّه من حياته التّمتّع بما فيها من اللّذائذ الجسديّة ، فلم يرفع إلى العالم العلويّ رأسا ، ولم يوجّه إلى الحياة الرّوحيّة الخالدة عزما ، واتّبع هواه في ذلك ، فلم يراع فيه الاهتداء بشيء ممّا آتيناه من آياتنا . وقد مضت سنّتنا في خلق نوع الإنسان ، بأن يكون مختارا في عمله المستعدّ له في أصل فطرته ، ليكون الجزاء عليه بحسبه ، وأن نبتليه ونمتحنه بما خلقنا في هذه الأرض من الزّينة والمستلذّات
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
الكهف : 7 ، ونولّي كلّ إنسان منهم ما تولّى
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
الإسراء 18 - 21 . وقد مضت سنّتنا أيضا بأنّ اتّباع الإنسان لهواه بتحرّيه وتشهّيه ، ما تميل إليه نفسه في كلّ عمل من أعماله ، دون ما فيه المصلحة والفائدة له ؛ من حيث هو جسد وروح ، يضلّه عن سبيل اللّه الموصلة إلى سعادة الدّنيا والآخرة ، ويتعسّف به في سبل الشّيطان المردية المهلكة . قال تعالى لخليفته داود عليه السّلام :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ص : 26 ، وقال تعالى في أوّل ما أوحاه إلى كليمه موسى عليه السّلام بعد ذكر السّاعة :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى
طه : 16 ، وقال جلّ جلاله لخاتم أنبيائه عليه صلواته وسلامه :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
الفرقان : 43 . والآيات في ذمّ الهوى والنّهي عنه كثيرة . وحسبك منها قوله :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
المؤمنون : 71 . وحاصل معنى الشّرط والاستدراك أنّ من شأن من أوتي آيات اللّه تعالى أن ترتقي نفسه ، وترتفع في مراقي الكمال درجته ، لما فيها من الهداية والإرشاد والذّكرى ، وإنّما يكون ذلك لمن أخذ هذه الآيات وتلقّاها بهذه النّيّة « وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » . وأمّا من لم ينو ذلك ولم تتوجّه إليه نفسه ، وإنّما تلقّى الآيات الإلهيّة اتّفاقا بغير قصد ، أو بنيّة كسب المال والجاه ، ووجد مع ذلك في نفسه ما يصرفه عن الاهتداء بها فلن يستفيد منها ، وأسرع به أن ينسلخ منها ، فهو يقول :
لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
الأعراف : 176 ، لأنّها في نفسها هدى ونور ، ولكن تعارض المقتضي والمانع ، وهو إخلاده إلى الأرض واتّباع هواه . ( 9 : 406 ) فضل اللّه : مثل الّذي أخلد إلى الأرض كمثل الكلب وهذا حديث عن شخص من بني إسرائيل ، قيل : إنّ