تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
* ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني *
( 3 : 321 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه تعلّق هذا بما قبله ؟ نقول : مناسب لما قبله من وجهين . أحدهما : أنّه لمّا قال :
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ
يس : 32 ، كان ذلك إشارة إلى الحشر ، فذكر ما يدلّ على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم وإصرارهم وعنادهم ، فقال :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
كذلك نحيي الموتى . وثانيهما : أنّه لمّا ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذّبين ، وكان شغلهم التّوحيد ذكر ما يدلّ عليه ، وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة والسّكون . المسألة الثّانية : الأرض آية مطلقا فلم خصّصها بهم حيث قال :
وَآيَةٌ لَهُمُ
؟ نقول : الآية تعدّد وتسرد لمن لم يعرف الشّيء بأبلغ الوجوه ، وأمّا من عرف الشّيء بطريق الرّؤية لا يذكر له دليل ، فإنّ النّبيّ وعباد اللّه المخلصين عرفوا اللّه قبل الأرض والسّماء ، فليست الأرض معرفة لهم ، وهذا كما قال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
فصّلت : 53 ، وقال :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
فصّلت : 53 ، يعني أنت كفاك ربّك معرّفا ، به عرفت كلّ شيء فهو شهيد لك على كلّ شيء ، وأمّا هؤلاء تبيّن لهم الحقّ بالآفاق والأنفس ، وكذلك هاهنا آية لهم . المسألة الثّالثة : إن قلنا : إنّ الآية مذكورة للاستدلال على جواز إحياء الموتى فيكفي قوله :
أَحْيَيْناها
ولا حاجة إلى قوله :
وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا ،
وغير ذلك ، وإن قلنا : إنّها للاستدلال على وجود الإله ووحدته فلا فائدة في قوله :
الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها ،
لأنّ نفس الأرض دليل ظاهر وبرهان باهر ، ثمّ هب أنّها غير كافية فقوله :
الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
كاف في التّوحيد فما فائدة قوله :
وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا
؟ يس : 33 . نقول : مذكورة للاستدلال عليها ، ولكلّ ما ذكره اللّه تعالى فائدة . أمّا قوله :
وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا
فله فائدة بالنّسبة إلى بيان إحياء الموتى ؛ وذلك لأنّه لمّا أحيا الأرض وأخرج منها حبّا كان ذلك إحياء تامّا ، لأنّ الأرض المخضرّة الّتي لا تنبت الزّرع ولا تخرج الحبّ دون ما تنبته في الحياة ، فكأنّه قال تعالى : الّذي أحيا الأرض إحياء كاملا منبتا للزّرع يحيى الموتى إحياء كاملا بحيث تدرك الأمور . وأمّا بالنّسبة إلى التّوحيد فلأنّ فيه تعديد النّعم ، كأنّه يقول : آية لهم الأرض فإنّها مكانهم ومهدهم الّذي فيها تحريكهم وإسكانهم ، والأمر الضّروريّ الّذي عنده وجودهم وإمكانهم ، وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بدّ لهم منها فهي نعمة ، ثمّ إحياؤها بحيث تخضرّ نعمة ثانية ، فإنّها تصير أحسن وأنزه ، ثمّ إخراج الحبّ منها نعمة ثالثة ، فإنّ قوتهم يصير في مكانهم ، وكان يمكن أن يجعل اللّه رزقهم في السّماء أو في الهواء فلا يحصل لهم الوثوق ، ثمّ جعل الجنّات فيها نعمة رابعة ، لأنّ الأرض تنبت الحبّ في كلّ سنة ، وأمّا الأشجار بحيث
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 100 | مجمع البحوث الاسلامية