تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين ؛ مراعاة لما رأى اللّه من المصلحة في الإبقاء عليكم ، فهو أذن كما قلتم ، إلّا أنّه أذن خير لكم لا أذن سوء ، فسلّم لهم قولهم فيه إلّا أنّه فسّر بما هو مدح له وثناء عليه ، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتّقصير بفطنته وشهامته ، وأنّه من أهل سلامة القلوب والعزّة . وقيل : إنّ جماعة منهم ذمّوه - صلوات اللّه عليه وسلامه - وبلغه ذلك فاشتغلت قلوبهم ، فقال بعضهم : لا عليكم فإنّما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلّغ فأذي ، ونحن نأتيه ونعتذر إليه ، فيسمع عذرنا أيضا فيرضى . فقيل : هو أذن خير لكم . وقرئ ( اذن خير لكم ) على أنّ ( اذن ) خبر مبتدإ محذوف ، و ( خير ) كذلك ، أي هو أذن هو خير لكم ، يعني إن كان كما تقولون فهو خير لكم ، لأنّه يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء دخلتكم . وقرأ نافع بتخفيف الذّال . ( 2 : 199 ) الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى حكى أنّ من المنافقين من يؤذي النّبيّ ، ثمّ فسّر ذلك الإيذاء بأنّهم يقولون للنّبيّ : إنّه أذن ، وغرضهم منه أنّه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكلّ ما يسمع ، فلهذا السّبب سمّوه بأنّه أذن ، كما أنّ الجاسوس يسمّى بالعين ، يقال : جعل فلان علينا عينا ، أي جاسوسا متفحّصا عن الأمور ، فكذا هاهنا . ثمّ إنّه تعالى أجاب عنه بقوله :
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
والتّقدير : هب أنّه أذن ؛ لكنّه خير لكم . وقوله : ( اذن خير ) مثل ما يقال : فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثمّ بيّن كونه ( اذن خير ) بقوله :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
جعل تعالى هذه الثّلاثة كالموجبة لكونه عليه الصّلاة والسّلام
أُذُنُ خَيْرٍ .
فلنبيّن كيفيّة اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيريّة . أمّا الأوّل وهو قوله :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
فلأنّ كلّ من آمن باللّه كان خائفا من اللّه ، والخائف من اللّه لا يقدم على الإيذاء بالباطل . وأمّا الثّاني وهو قوله :
وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
فالمعنى أنّه يسلم للمؤمنين قولهم ، والمعنى أنّهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول ، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار . . . ( 16 : 116 ) الآلوسيّ : هي في الأصل اسم للجارحة ، وإطلاقها على الشّخص بالمعنى المذكور - كما يؤيّده بعض الرّوايات - من باب المجاز المرسل على ما في « المفتاح » ، كإطلاق العين على ربيئة القوم ؛ حيث كانت العين هي المقصودة منه . وصرّح غير واحد أنّ ذلك من إطلاق الجزء على الكلّ للمبالغة . [ ثمّ استشهد بشعر ] وقيل : إنّه مجاز عقليّ كرجل عدل ، وفيه نظر . والمبالغة هنا على ما قيل : في أنّه يسمع كلّ قول ، باعتبار أنّه يصدّقه لا في مجرّد السّماع ، وما قيل : إنّ مرادهم بكونه عليه السّلام أذنا تصديقه بكلّ ما يسمع من غير فرق بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصّدق له وبين ما لا يليق به ، فليس من قبيل إطلاق العين على الرّبيئة . ولذا جعله بعضهم من قبيل التّشبيه بالأذن في أنّه ليس فيه وراء الاستماع تمييز حقّ عن باطل ، ليس بشيء يعتدّ به . وقيل : إنّه على تقدير مضاف ، أي ذو
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 805 | مجمع البحوث الاسلامية