مؤثّر إلّا بإذن من اللّه سبحانه ، فما كان من الأسباب غير تامّ ، له موانع لو تحقّقت منعت من تأثيره ، فإذنه تعالى له في أن يؤثّر رفعه الموانع ، وما كان منها تامّا لا مانع له يمنعه ، فإذنه له عدم جعله له شيئا من الموانع ، فتأثيره يصاحب الإذن من غير انفكاك .
وثانيا : أنّ المصائب وهي الحوادث الّتي تصيب الإنسان ، فتؤثّر فيه آثارا سيّئة مكروهة ، إنّما تقع بإذن من اللّه سبحانه ، كما أنّ الحسنات كذلك لاستيعاب إذنه تعالى صدور كلّ أثر من كلّ مؤثّر .
وثالثا : أنّ هذا الإذن « إذن تكوينيّ » غير « الإذن التّشريعي » الّذي هو رفع الحظر عن الفعل ، فإصابة المصيبة تصاحب إذنا من اللّه في وقوعها ، وإن كانت من الظّلم الممنوع ، فإنّ كون الظّلم ممنوعا غير مأذون فيه ، إنّما هو من جهة التّشريع دون التّكوين .
ولذا كانت بعض المصائب غير جائزة الصّبر عليها ولا مأذونا في تحمّلها ، ويجب على الإنسان أن يقاومها ما استطاع ، كالمظالم المتعلّقة بالأعراض والنّفوس .
ومن هنا يظهر أنّ المصائب الّتي ندب إلى الصّبر عندها هي الّتي لم يؤمر المصاب عندها بالذّبّ والامتناع عن تحمّلها ، كالمصائب العامّة الكونيّة من موت ومرض ممّا لا شأن لاختيار الإنسان فيها ، وأمّا ما للاختيار فيها دخل كالمظالم المتعلّقة - نوع تعلّق بالاختيار من المظالم المتوجّهة إلى الأعراض - فللإنسان أن يتوقّاها ما استطاع . ( 19 : 303 )
اذنه
1 -
. . . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ . . .
البقرة : 213
الزّجّاج : بعلمه . ( الطّوسيّ 2 : 196 )
النّحّاس : [ قال بعد نقل قول الزّجّاج : ]
وهذا غلط ، والمعنى بأمره . وإذا أذنت في الشّيء فقد أمرت به ، أي فهدى اللّه الّذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه . ( القرطبيّ 3 : 33 )
الطّوسيّ : قيل في معنى ( باذنه ) قولان :
أحدهما : بلطفه ، ولا بدّ من محذوف على هذا التّأويل ، أي فاهتدوا بإذنه ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لا يفعل الشّيء بإذن أحد يأذن له فيه ، ولكن قد يجوز أن يكون على جهة التّفسير للهدى ، كأنّه قال : هداهم بأن لطف لهم ، وهداهم بأن أذن لهم .
وقال الجبّائيّ : لا بدّ من أن يكون على حذف فاهتدوا بإذنه .
والقول الثّاني : هداهم بالحقّ بعلمه ، والإذن بمعنى العلم معروف في اللّغة . ( 2 : 195 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 1 : 307 )
الميبديّ : الإذن : الأمر والعلم والإرادة جميعا .
( 1 : 567 )
الفخر الرّازيّ : فيه وجوه :
أحدها : [ هو قول الزّجّاج المتقدّم ] .
الثّاني : هداهم بأمره ، أي حصلت الهداية بسبب الأمر ، كما يقال : قطعت بالسّكّين ؛ وذلك لأنّ الحقّ لم يكن متميّزا عن الباطل ، وبالأمر حصل التّميّز ،