مصيبة تصيب من أصابته لأمر آخر من كثرة الأجر للصّبر ، وتكفير السّيّئات لتوفية الأجر إلى غير ذلك ، وما أصاب المؤمنين فمن هذا القبيل .
وأمّا ثانيا : فلأنّ ما أصاب من ساء بسوء فعله فهو لم يصب إلّا بإذن اللّه وإرادته أيضا ، كما قال تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
النّساء : 78 ، أي إيجادا وإيصالا ، فسبحان من لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء . وكان الكفّار يقولون : لو كان ما عليه المسلمون حقّا لصانهم اللّه عن المصائب في أموالهم وأبدانهم في الدّنيا ، فبيّن اللّه أنّ ذلك إنّما يصيبهم بتقديره ومشيئته .
وفي إصابتها حكمة لا يعرفها إلّا هو ، منها : تحصيل اليقين بأن ليس شيء من الأمر في يديهم ، فيبرأون بذلك من حولهم وقوّتهم ، إلى حول اللّه وقوّته .
ومنها : ما سبق آنفا من تكفير ذنوبهم وتكثير مثوباتهم بالصّبر عليها ، والرّضى بقضاء اللّه إلى غير ذلك .
ولو لم يصب الأنبياء والأولياء محن الدّنيا وما يطرأ على الأجسام لافتتن الخلق بما ظهر على أيديهم من المعجزات والكرامات ، على أنّ طريان الآلام والأوجاع على ظواهرهم لتحقّق بشريّتهم ، لا على بواطنهم لتحقّق مشاهدتهم والأنس بربّهم ، فكأنّهم معصومون محفوظون منها ، لكون وجودها في حكم العدم ، بخلاف حال الكفّار والأشرار . نسأل العفو والعافية من اللّه الغفّار .
وفي الآية إشارة إلى إصابة مصيبة النّفس الأمّارة بالاستيلاء على القلب ، وإلى إصابة مصيبة القلب السّيّار بالغلبة على النّفس ، فإنّهما بإذن تجلّيه القهريّ للقلب الصّافي بحسب الحكمة ، أو بإذن تجلّيه اللّطفيّ الجماليّ للنّفس الجانية بحسب النّقمة . ( 10 : 13 )
الطّباطبائيّ : الإذن : الإعلام بالرّخصة وعدم المانع ، ويلازم علم الآذن بما أذن فيه ، وليس هو العلم كما قيل .
فظهر بما تقدّم أوّلا : أنّ إذنه تعالى في عمل سبب من الأسباب ، هو التّخلية بينه وبين مسبّبيه ، برفع الموانع الّتي تتخلّل بينه وبين مسبّبه ، فلا تدعه يفعل فيه ما يقتضيه بسببيّته ، كالنّار تقتضي إحراق القطن مثلا لولا الفصل بينهما والرّطوبة ، فرفع الفصل بينهما والرّطوبة من القطن مع العلم بذلك ، إذن في عمل النّار في القطن بما تقتضيه ذاتها ، أعني الإحراق .
وقد كان استعمال الإذن في العرف العامّ مختصّا بما إذا كان المأذون له من العقلاء ، لمكان أخذ معنى الإعلام في مفهومه ، فيقال : أذنت لفلان أن يفعل كذا ، ولا يقال :
أذنت للنّار أن تحرق ، ولا أذنت للفرس أن يعدو . لكنّ القرآن الكريم يستعمله فيما يعمّ العقلاء وغيرهم بالتّحليل ، كقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
النّساء : 64 ، وقوله :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
الأعراف : 58 .
ولا يبعد أن يكون هذا التّعميم مبنيّا على ما يفيده القرآن من سريان العلم والإدراك في الموجودات ، كما قدّمناه في تفسير قوله :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
فصّلت : 21 .
وكيف كان فلا يتمّ عمل من عامل ولا تأثير من