من بعد أن قال له : ( كن ) حتّى كان وحصل . ( 17 : 15 )
البروسويّ : [ إذنه ] المبنيّ على الحكمة الباهرة ، وهو جواب قول الكفّار : إنّ الأصنام شفعاؤنا عند اللّه ، فبيّن اللّه تعالى أنّه ما من ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل يشفع لأحد إلّا من بعد أن يأذن اللّه لمن يشاء ويرضى ، فكيف تشفع الأصنام الّتي ليس لها عقل ولا تمييز ؟ وفيه إثبات الشّفاعة لمن أذن له . ( 4 : 10 )
الآلوسيّ : بيان لاستبداده تعالى في التّدبير والتّقدير ، ونفي للشّفاعة على أبلغ وجه ، فإنّ نفي جميع أفراد الشّفيع ب ( من ) الاستغراقيّة يستلزم نفي الشّفاعة على أتمّ الوجوه ، فلا حاجة إلى أن يقال : التّقدير ما من شفاعة لشفيع ، وفي ذلك أيضا تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير . والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأوقات ، أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلّا بعد إذنه تعالى المبنيّ على الحكمة الباهرة ، وذلك عند كون الشّفيع من المصطفين الأخيار ، والمشفوع له ممّن يليق بالشّفاعة .
وذهب القاضي إلى أنّ فيه ردّا على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللّه . وتعقّب بأنّه غير تامّ ؛ لأنّهم لمّا ادّعوا شفاعتها فقد يدّعون الإذن لها ، فكيف يتمّ هذا الرّدّ ؟ ولا دلالة في الآية على أنّهم لا يؤذن لهم . وما قيل :
إنّها دعوى غير مسلّمة واحتمالها غير مجد ، لا فائدة فيه ، إلّا أن يقال : مراده أنّ الأصنام لا تدرك ولا تنطق ، فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديهيّ . ( 11 : 65 )
6 -
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ .
هود : 105
الجبّائي : الإذن : إلجاؤهم إلى الحسن ، لأنّه لا يقع منهم ذلك اليوم قبيح . ( الطّوسيّ 6 : 65 )
الطّوسيّ : إن قيل : كيف قال هاهنا :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ،
وقال في موضع آخر :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
المرسلات : 35 ، 36 ، وقال في موضع آخر :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
النّحل : 111 ، وقال :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
الصّافّات : 24 ، وقال في موضع آخر :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
الرّحمن :
39 ، ؟ وهل هذا إلّا ظاهر التّناقض ؟ ! .
قلنا : لا تناقض في ذلك ، لأنّ معنى قوله :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ،
إنّهم يسألون سؤال توبيخ وتقرير وتقريع ، لإيجاب الحجّة عليهم لا سؤال استفهام ، لأنّه تعالى عالم بذلك لنفسه .
وقوله :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ،
أي لا يسأل ليعلم ذلك منه حيث إنّه تعالى قد علم أعمالهم قبل أن يعملوها .
وقيل : إنّ معناه إنّه لا يسأل عن ذنب المذنب إنس ولا جانّ غيره ، وإنّما يسأل المذنب لا غير ، وكذلك قوله :
يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ،
أي لا ينطقون بحجّة ، وإنّما يتكلّمون بالإقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم على بعض الذّنوب ، فأمّا المتكلّم بحجّة فلا .
وهذا كما يقول القائل لمن يخاطبه بخطاب كثير فارغ من الحجّة : ما تكلّمت بشئ ، وما نطقت بشيء ، فسمّي من يتكلّم بما لا حجّة فيه له غير متكلّم ، كما قال :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
البقرة : 171 ، وهم كانوا