ب - حنين النّاقة ومدّها لصوتها ، أو ترجيع الحنين في جوفها ، ومدّ الحبل ، وصوت الوطء ، وامتداد المشي على الأرض . والعنصر الأصليّ في الجميع هو الامتداد .
ج - القوّة والغلبة ، وهو عند ابن فارس أصلان :
عظم الشّيء وشدّته وتكرّره .
النّدود ، أي الحنين .
وعند غيره الشّدّة ، وجريان الأمر على غير مجراه .
والظّاهر أنّ الأصل فيه القوّة والشّدّة ، وسائر المعاني ناشئة عنها ، فإنّ الأمر إذا قوي واشتدّ غلب على غيره وخرج عن مجراه ، فينقلب منكرا عجيبا وداهية فظيعة ، كما أنّه يمتدّ ويتكرّر . وما حنين النّاقة ومدّ الحبل وامتداد المشي على الأرض إلّا من القوّة .
2 - ويبدو وجود علاقة - لفظا ومعنى - بين أدّ ، وآدّ ، وآد ، وأيد ، وأود ، ويد . والأصل في الجميع هو القوّة والشّدّة ؛ فالأود : الثّقل والحفظ ، وهو ناشىء عن القوّة .
قال ابن دريد : « الأدّ والأيد والآدّ : القوّة » ، وذكر « الأيد » في مادّة « أدد » باعتبار أنّ التّضعيف إذا انفكّ ينقلب ياء ، فأصل أيد : أدّ .
3 - ويبدو بالاستقراء أنّ « إدّا وأدّا » أدلّ على معنى القوّة من « أيد » ، لما في لفظها من الكزازة والتّماسك الّذي لا يفسح مجالا للرّاحة ، على ما تقوم به الياء من وظيفة النّطق في « أيد » ، فهو حرف من حروف المدّ والاستطالة الّتي تحقّق للمتكلّم نبرة استراحيّة مفتقدة في لفظ « أدّ » .
4 - وهذه القوّة الموجودة في اللّفظ تمتزج بمعنى دنيء ، فتكسبه مزيدا من الشّناعة والقباحة .
ولم نجد في العربيّة الفصيحة قبل القرآن استعمالا للفظ « الإدّ » إلّا وهو دالّ على القوّة فقط ، حتّى إذا جاء القرآن أضاف إلى تلك الدّلالة معنى مستقبحا ؛ بحيث انتقلت من أساليب المدح والافتخار في العصر الجاهليّ إلى أساليب الهجاء في عصر ما بعد القرآن ، فلم يكد أحدهم يفتخر بأنّه قد جاء بأمر « إدّ » ، أو أنّه قد عمل « شيئا إدّا » لاكتساب هذا اللّفظ دلالة مستقبحة ، بعد أن وصف به القرآن عمل الّذين قالوا :
اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
مريم : 88 ، القول الّذي
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
مريم :
90 ، فاستحال معنى القوّة المنطوية فيه سابقا إلى معنى الفضاعة الممعنة في المنكر والدّاخلة فيه بقوّة ؛ بحيث تتشابك الدّلالة مع اللّفظ تشابكا دقيقا وتمازجا كاملا ، فإذا باللّفظ نفس اللّفظ ولكنّ الدّلالة غير الدّلالة . وبهذا التّحوّل تركّز معنى القوّة في « أيد » فقط ، لأنّه لم يذكر إلّا في مواطن الخير والافتخار ، لاحظ « أي د » .
الاستعمال القرآنيّ
وفيه بحوث :
الأوّل - لم يجئ في القرآن إلّا مرّة واحدة في آية مكّيّة :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
مريم : 88 ، 90 .
الثّاني - ولم يكن في ( ادّا ) كما قلنا ، عنصر الفظاعة والمنكر حتّى إذا ما جاء في القرآن استنكارا لدعوى