ووجه آخر : انتسابهم إلى الإيمان الموجب للحياة الأبديّة . ( 5 : 52 )
الآلوسيّ : استئناف ، مقرّر لما قبله من الأمر بالإصلاح ، وإطلاق « الإخوة » على المؤمنين من باب التّشبيه البليغ ، وشبّهوا بالإخوة من حيث انتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبديّة .
وجوّز أن يكون هناك استعارة ، وتشبّه المشاركة في الإيمان بالمشاركة في أصل التّوالد ، لأنّ كلّا منهما أصل للبقاء ، إذ التّوالد منشأ الحياة ، والإيمان منشأ البقاء الأبديّ في الجنان . ( 26 : 151 )
نحوه القاسميّ . ( 15 : 5455 )
الطّباطبائيّ : واعلم أنّ قوله :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
جعل تشريعيّ لنسبة الإخوة بين المؤمنين لها آثار شرعيّة وحقوق مجعولة ، وقد تقدّم في بعض المباحث المتقدّمة أنّ من الأبوّة والبنوّة والأخوّة وسائر أنواع القرابة ما هو اعتباريّ مجعول يعتبره الشّرائع والقوانين لترتيب آثار خاصّة عليه ، كالوراثة والإنفاق وحرمة الازدواج وغير ذلك ، ومنها ما هو طبيعيّ بالانتهاء إلى صلب واحد أو رحم واحدة أو هما .
والاعتباريّ من القرابة غير الطّبيعيّ منها ، فربّما يجتمعان كالأخوين المتولّدين بين الرّجل والمرأة عن نكاح مشروع ، وربّما يختلفان كالولد الطّبيعيّ المتولّد من زنى ، فإنّه ليس ولدا في الإسلام ولا يلحق بمولّده وإن كان ولدا طبيعيّا ، وكالدّعيّ الّذي هو ولد في بعض القوانين وليس بولد طبيعيّ .
واعتبار المعنى الاعتباريّ وإن كان لغرض ترتيب آثار حقيقته عليه ، كما يؤخذ أحد القوم رأسا لهم ليكون نسبته إليهم نسبة الرّأس إلى البدن ، فيدبّر أمر المجتمع ويحكم بينهم وفيهم ، كما يحكم الرّأس على البدن .
لكن لمّا كان الاعتبار لمصلحة مقتضية كان تابعا للمصلحة ، فإن اقتضت ترتيب جميع آثار الحقيقة ترتّبت عليه جميعا ، وإن اقتضت بعضها كان المترتّب على الموضوع الاعتباريّ ذلك البعض ، كما أنّ القراءة مثلا جزء من الصّلاة والجزء الحقيقيّ ينتفي بانتفائه الكلّ مطلقا ، لكنّ القراءة لا تنتفي بانتفائها الصّلاة إذا كان ذلك سهوا ، وإنّما تبطل الصّلاة إذا تركت عمدا .
ولذلك أيضا ربّما اختلفت آثار معنى اعتباريّ بحسب الموارد المختلفة كجزئيّة الرّكوع ؛ حيث تبطل الصّلاة بزيادته ونقيصته عمدا وسهوا ، بخلاف جزئيّة القراءة كما تقدّم ، فمن الجائز أن تختلف الآثار المترتّبة على معنى اعتباريّ بحسب الموارد المختلفة ، لكن لا تترتّب الآثار الاعتباريّة إلّا على موضوع اعتباريّ ، كالإنسان يتصرّف في ماله لكن لا بما أنّه إنسان بل بما أنّه مالك والأخ يرث أخاه في الإسلام لا لأنّه أخ طبيعيّ يشارك الميّت في الوالد أو الوالدة أو فيهما - فولد الزّنى كذلك ولا يرث أخاه الطّبيعيّ - بل يرثه ، لأنّه أخ في الشّريعة الإسلاميّة .
والأخوّة من هذا القبيل ، فمنها أخوّة طبيعيّة لا أثر لها في الشّرائع والقوانين ، وهي اشتراك إنسانين في أب أو أمّ أو فيهما ، ومنها أخوّة اعتباريّة لها آثار اعتباريّة وهي في الإسلام أخوّة نسبيّة لها آثار في النّكاح والإرث ، وأخوّة رضاعيّة لها آثار في النّكاح دون الإرث ، وأخوّة