تعالى قال :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
تأكيدا للأمر ، وإشارة إلى أنّ ما بينهم ما بين الأخوّة من النّسب ، والإسلام كالأب . [ ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال : ]
( انّما ) للحصر ، أي لا أخوّة إلّا بين المؤمنين ، وأمّا بين المؤمن والكافر فلا ، لأنّ الإسلام هو الجامع ؛ ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين ولا يكون لأخيه الكافر .
وأمّا الكافر فكذلك ، لأنّ في النّسب المعتبر الأب الّذي هو أب شرعا ، حتّى أنّ ولدي الزّنى من رجل واحد لا يرث أحدهما الآخر ، فكذلك الكفر كالجامع الفاسد فهو كالجامع العاجز لا يفيد الأخوّة ، ولهذا من مات من الكفّار وله أخ مسلم ولا وارث له من النّسب لا يجعل ما له للكفّار ، ولو كان الدّين يجمعهم لكان مال الكافر للكفّار ، كما أنّ مال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث .
فإن قيل : قد ثبت أنّ الأخوّة للإسلام أقوى من الأخوّة النّسبيّة ، بدليل أنّ المسلم يرثه المسلمون ولا يرثه الأخ الكافر من النّسب ، فلم لم يقدّموا الأخوّة الإسلاميّة على الأخوّة النّسبيّة مطلقا ، حتّى يكون مال المسلم للمسلمين لا لإخوته من النّسب ؟
نقول : هذا سؤال فاسد ، وذلك لأنّ الأخ المسلم إذا كان أخا من النّسب فقد اجتمع فيه أخوّتان فصار أقوى ، والعصوبة لمن له القوّة ، ألا ترى أنّ الأخ من الأبوين يرث ، ولا يرث الأخ من الأب معه ، فكذلك الأخ المسلم من النّسب له أخوّتان فيقدّم على سائر المسلمين .
( 28 : 130 )
البيضاويّ :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
من حيث أنّهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبديّة ، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح ، ولذلك كرّره مرتّبا عليه بالفاء ، فقال
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ .
( 2 : 409 )
نحوه الشّربينيّ ( 4 : 66 ) ، وأبو السّعود ( 5 : 90 ) ، والمراغيّ ( 26 : 131 ) .
الخازن : أي في الدّين والولاية ، وذلك أنّ الإيمان قد عقد بين أهله من السّبب والقرابة كعقد النّسب الملاصق ، وأنّ بينهم ما بين الإخوة من النّسب والإسلام لهم كالأب . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 6 : 186 )
البروسويّ : الفرق بين الخلّة والأخوّة ، أنّ الصّداقة إذا قويت صارت أخوّة ، فإن ازدادت صارت خلّة ، كما في إحياء العلوم .
وسئل الجنيد عن الأخ ، فقال : هو أنت في الحقيقة إلّا أنّه غيرك في الشّخص .
والمعنى إنّما المؤمنون منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبديّة كما أنّ الإخوة من النّسب منتسبون إلى أصل واحد هو الأب الموجب للحياة الفانية ، فالآية من قبيل التّشبيه البليغ المبتنى على تشبيه الإيمان بالأب ، في كونه سبب الحياة كالأب . ( 9 : 77 )
الكاشانيّ : [ ذكر الرّوايات من الصّادقين عليهما السّلام وقد سبقت ثمّ أضاف : ]
أقول : ووجه آخر لأخوّة المؤمنين انتسابهم إلى النّبيّ والوصيّ ، فقد ورد أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « أنا وأنت يا عليّ أبوا هذه الأمّة » .