الزّمخشريّ : الإخوة يحجبون الأمّ عن الثّلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب ، فيكون لها السّدس وللأب خمسة الأسداس ، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعدا إلّا عند ابن عبّاس . وعنه : أنّهم يأخذون السّدس الّذي حجبوا عنه الأمّ .
فإن قلت : فكيف صحّ أن يتناول « الإخوة » الأخوين ، والجمع خلاف التّثنية ؟
قلت : « الإخوة » تفيد معنى الجمعيّة المطلقة بغير كمّيّة ، والتّثنية كالتّثليث والتّربيع في إفادة الكمّيّة ، وهذا موضع الدّلالة على الجمع المطلق ، فدلّ بالإخوة عليه . ( 1 : 508 )
الفخر الرّازيّ : في الآية مسائل : المسألة الأولى :
اتّفقوا على أنّ الأخت الواحدة لا تحجب الأمّ من الثّلث إلى السّدس ، واتّفقوا على أنّ الثّلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ؛ فالأكثرون من الصّحابة على القول بإثبات الحجب كما في الثّلاثة ، وقال ابن عبّاس : لا يحجبان كما في حقّ الواحدة .
حجّة ابن عبّاس أنّ الآية دالّة على أنّ هذا الحجب مشروط بوجود الإخوة ، ولفظ الإخوة جمع ، وأقلّ الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه ، فإذا لم توجد الثّلاثة لم يحصل شرط الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب .
روي أنّ ابن عبّاس قال لعثمان : بم صار الأخوان يردّان الأمّ من الثّلث إلى السّدس وإنّما قال اللّه تعالى :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ
والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة ؟
فقال عثمان : لا أستطيع أن أردّ قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار .
واعلم أنّ في هذه الحكاية دلالة على أنّ أقلّ الجمع ثلاثة ، لأنّ ابن عبّاس ذكر ذلك مع عثمان وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ومن علماء اللّسان ، فكان اتّفاقهما حجّة في ذلك .
واعلم أنّ للعلماء في أقلّ الجمع قولين :
الأوّل : أنّ أقلّ الجمع اثنان ، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلانيّ ، واحتجّوا فيه بوجوه :
أحدها : قوله تعالى :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
التّحريم : 4 ، ولا يكون للإنسان الواحد أكثر من قلب واحد .
وثانيها : قوله تعالى :
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
النّساء : 11 ، والتّقييد بقوله :
( فَوْقَ اثْنَتَيْنِ )
إنّما يحسن لو كان لفظ النّساء صالحا للثّنتين .
وثالثها : قوله : « الاثنان فما فوقهما جماعة » والقائلون بهذا المذهب زعموا أنّ ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين ، إلّا أنّ الّذي نصرناه في أصول الفقه أنّ أقلّ الجمع ثلاثة . وعلى هذا التّقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين ، وإنّما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره أن نقول : الأختان يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا .
إنّما قلنا إنّ الأختين يحجبان ، وذلك لأنّا رأينا أنّ اللّه تعالى نزّل الاثنين من النّساء منزلة الثّلاثة في باب الميراث ، ألا ترى أنّ نصيب البنتين ونصيب الثّلاثة هو الثّلثان ، وأيضا نصيب الأختين من الأمّ ونصيب الثّلاثة هو الثّلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب