أوّلا : أنّ هؤلاء الكافرين كانوا في جماعة المؤمنين أوّلا ، فلمّا كانت وقعة أحد ، ورأوا ما رأوا ممّا أصاب المسلمين ، ساء ظنّهم باللّه الّذي آمنوا به ، ثمّ بلغ بهم سوء الظّنّ إلى الارتداد عن الإسلام ، فتسميتهم إخوانا لهؤلاء المؤمنين تذكير لهم بالدّين الّذي كانوا عليه ، ودعوة مجدّدة من اللّه إليهم ليدخلوا فيه ، بعد أن خرجوا منه .
وثانيا : في هذه التّسمية للكافرين بأنّهم إخوان لأولئك المؤمنين الّذين قتلوا في سبيل اللّه ؛ فضح لهم ، ومواجهة صريحة بالحكم الّذي حكم اللّه به عليهم وهو أنّهم كافرون ، وفي هذا ما يجعلهم يتعرّفون إلى أنفسهم ، ويرون الهاوية الّتي سقطوا فيها ، وهم يقولون هذه المقولات المنكرة ، وأنّهم إذا كان عند أحدهم شكّ في أنّ هذه المقولات الّتي يقولها لا تدخل به إلى مداخل الكفر فليعلم أنّه يخدع نفسه ، ويضلّلها ، فما هو بعد هذا من المؤمنين ، فإمّا أن يتوب ويرجع إلى اللّه ، وإمّا أن يمضي في طريقه ، مع ضلاله وكفره .
وانظر في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . .
آل عمران : 156 ، تجد أنّ اللّه سبحانه ، قد حكم عليهم أوّلا بأنّهم كافرون ، ثمّ أكّد كفرهم هذا بأنّهم كانوا إخوانا لأولئك المؤمنين ، وأنّهم منذ قالوا هذا القول ليسوا من الإيمان ولا المؤمنين في شيء . ( 2 : 625 )
[ وبهذا المعنى جاء قوله تعالى :
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا
آل عمران : 168 . ]
2 -
وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ
. . . الأنعام : 86 ، 87
الطّوسيّ : وإنّما دخلت ( من ) في قوله :
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
للتّبعيض ، كأنّه قال : وبعض آبائهم وبعض ذرّيّاتهم وبعض إخوانهم ( هديناهم ) ، ولو لم تدخل ( من ) ، لاقتضى أنّه هدى جميعهم الهداية الّتي هي الثّواب ، والأمر بخلافه . ( 4 : 212 )
نحوه الطّبرسيّ ( 3 : 330 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 319 )
ابن عطيّة : وهدينا من آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم جماعات و ( من ) للتّبعيض والمراد : من آمن ، نبيّا كان أو غير نبيّ ، ويدخل عيسى في ضمير قوله :
وَمِنْ آبائِهِمْ
ولهذا قال محمّد بن كعب : الخال والخالة . ( أبو حيّان 4 : 174 )
الفخر الرّازيّ : قوله تعالى :
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ
يفيد أحكاما كثيرة :
الأوّل : أنّه تعالى ذكر الآباء والذّرّيّات والإخوان ، فالآباء هم الأصول ، والذّرّيّات هم الفروع ، والإخوان فروع الأصول ؛ وذلك يدلّ على أنّه تعالى خصّ كلّ من تعلّق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشّرف والكرامة .
والثّاني : أنّه تعالى قال :
وَمِنْ آبائِهِمْ
وكلمة ( من ) للتّبعيض . [ إلى أن قال : ]
الثّالث : أنّا إذا فسّرنا هذه الهداية ( وهديناهم ) بالنّبوّة كان قوله :
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ
كالدّلالة على أنّ شرط كون الإنسان رسولا من عند اللّه أن يكون رجلا ، وأنّ المرأة لا يجوز أن تكون رسولا من عند اللّه تعالى . ( 13 : 66 )
أبو حيّان :
وَمِنْ آبائِهِمْ
كآدم وإدريس ونوح