الأوّل : أنّ لنا كلّ ما في الدّنيا والآخرة فليس يضرّنا ترككم الاهتداء بهدانا ، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، بل نفع ذلك وضرّه عائدان عليكم ، ولو شئنا لمنعناكم من المعاصي قهرا ؛ إذ لنا الدّنيا والآخرة ، ولكنّا لا نمنعكم من هذا الوجه ، لأنّ هذا الوجه يخلّ بالتّكليف ، بل نمنعكم بالبيان والتّعريف والوعد والوعيد .
الثّاني : أنّ لنا ملك الدّارين نعطي ما نشاء من نشاء ، فليطلب سعادة الدّارين منّا :
والأوّل أوفق لقول المعتزلة ، والثّاني أوفق لقولنا .
( 31 : 203 )
القرطبيّ : ( للآخرة ) : الجنّة ، و ( الأولى ) : الدّنيا .
( 20 : 86 )
الخازن : يعني لنا ما في الدّنيا والآخرة ، فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطّريق . ( 7 : 213 )
أبو حيّان : أي ثواب الدّارين ، لقوله تعالى :
وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
العنكبوت : 27 . ( 8 : 484 )
الطّباطبائيّ : أي عالم البدء وعالم العود ، فكلّ ما يصدق عليه أنّه شيء فهو مملوك له تعالى بحقيقة الملك الّذي هو قيام وجوده بربّه القيّوم ، ويتفرّع عليه الملك الاعتباريّ الّذي من آثاره جواز التّصرّفات .
( 20 : 305 )
بنت الشّاطئ : « الآخرة والأولى » في الاستعمال اللّغويّ : النّهاية والبداية ، أو المصير والمبتدأ ، ملحوظا فيهما الإتيان في الآخر وفي الأوّل .
وتأتي « الآخرة والأولى » في المصطلح الدّينيّ بمعنى الحياتين : الآخرة والدّنيا . والأوّل والآخر من أسماء اللّه تعالى الحسنى .
وفي آية « اللّيل » فسّر الطّبريّ ( الآخرة والأولى ) بأنّ لنا ملك ما في الدّنيا والآخرة ، نعطي منهما من أردنا من خلقنا ، ونحرم من شئنا . وإنّما عنى بذلك جلّ ثناؤه أنّه يوفّق لطاعته من أحبّ من خلقه فيكرمه بها في الدّنيا ، ويهيّئ له الكرامة والثّواب في الآخرة ، ويخذل من شاء خذلانه من خلقه عن طاعته ، فيهينه بمعصيته في الدّنيا ويخزيه بعقوبته في الآخرة .
واقتصر فيهما الزّمخشريّ في الكشّاف على ثواب الدّارين للمهتدي ، ومثله أبو حيّان في البحر المحيط .
ونقل الرّازيّ قول من قالوا في تأويل الآية : « إنّ لنا كلّ ما في الدّنيا والآخرة ، فليس يضرّنا ترككم الاهتداء بهدانا ، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، بل نفع ذلك وضرّه عائدان عليكم ، ولو شئنا لمنعناكم من المعاصي قهرا ؛ إذ لنا الدّنيا والآخرة » . ورأى فيه ما يخلّ بالتّكليف . كما نقل ما ذكرنا من تأويل الطّبريّ ، وصرّح بأنّ هذا الوجه من التّأويل أوفق لقوله .
ونرى أنّ قصر الآية على ثواب الدّارين يمنعه العموم المستفاد من صريح السّياق في البشرى والنّذير معا .
ودون خوض في مشكلة الجبر والاختيار لا نرى في الآية إلّا أنّ اللّه سبحانه ، إليه المصير كما له المبتدأ ، وهو تعالى يهيّئ لخلقه في الدّنيا طريق الحقّ والهدى . وبقدر ما يستجيبون لداعي الهدى أو يدبرون عنه تكون النّهاية والمصير بين يدي الخالق في الآخرة .
والملحظ البيانيّ في الآية هو العدول عمّا هو مألوف