الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة نهاية الشّيء ، يقال : مؤخر العين ، ومؤخّر الرّأس ، وآخرة الرّحل ، وآخر النّاقة ، أي رجلاها الخلفيتان ، ونخلة مئخار : يدرك حملها نهاية الصّرام . ثمّ استعمل أيضا في أسماء المعاني ، كقولهم : آخر الدّهر وآخر العمر وأخرى اللّيالي ، وبعته بأخرة ، أي بدين .
وآخر بمعنى واحد - على رأي الفيّوميّ - مثل : جاء القوم فواحد يفعل كذا وآخر كذا وآخر كذا ، أي كلّ واحد يفعل فعلا يخالف به الآخر .
ولو كان الآخر بمعنى الواحد - كما قال الفيّوميّ - لما احتيج إلى تعدّد الأحوال وتفصيلها في هذا المثال ، وإنّما الواحد يفهم من السّياق كموصوف لآخر ، والمعنى وواحد آخر ، وحينئذ فمعناه واحد متأخّر عن الأوّل ومغاير له . وله نظائر في كلام العرب ، ومنه قوله :
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ
آل عمران : 13 ، فشتّان بين فئتين : مؤمنة وكافرة .
2 - وقد اختلفت عبارات اللّغويّين في معنى الآخر والآخرة ؛ فقال الخليل : الآخر والآخرة : نقيض المتقدّم والمتقدّمة . وقال ابن دريد : الآخر : تالي الأوّل . وقال الجوهريّ : الآخر بعد الأوّل .
فبحسب قول الخليل يقتضي أن يكون الحدوث مرادفا للآخر ، لأنّ القدم خلاف الحدوث ، والأمر ليس كذلك فيهما ، فلا يجوز أن نقول مثلا : اللّه حادث ، ولكن يمكننا القول : اللّه آخر .
أمّا قولا ابن دريد والجوهريّ فغير دقيقين ، لأنّ ما يتلو الأوّل قد يكون هو الوسط وليس الآخر ، لقولهم :
وسط الدّار ، ووسط البئر ، ووسط الرّحل ، أي ما وقع بعد الأوّل وقبل الآخر .
وأدقّ تعبير في معنى « الآخر » هو عبارة الرّاغب « الآخر : يقابل به الأوّل » وهو مستقى من قوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
الحديد : 3 .
3 - ولم يؤثر عن العرب أنّهم استعملوا فعلا ثلاثيّا مجرّدا من هذه المادّة ، سوى قول الفيروزاباديّ : اخر يأخر أخورا . وهو قول لا يعتدّ به البتّة ، لأنّه مولّد مقيس بفعل يفعل اللّازم ، مثل : جلس يجلس جلوسا .
ولم يسمع من هذه المادّة أيضا « أفعل » ولا « فاعل » وقياس الأوّل : آخر يؤخر إيخارا ، والثّاني : آخر يؤاخر مآخرة .
الاستعمال القرآنيّ
وفيها بحوث :
الأوّل - ورد ( آخر ) في القرآن بصيغ مختلفة بالمعاني الآتية إشارة إلى نحو من التّأخير :
أ - رتبة في التّأخير المعنويّ ، أو من جهة الارتباط والنّسبة ، مثل :
1 -
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ
المائدة : 27
2 -
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
التّوبة : 102
3 -
وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ
يوسف : 46