فنقول : هذا ضعيف ؛ لأنّ ذلك الإجماع إنّما حصل لأنّ بعضهم يقلّد بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين ، مثل قول وهب وكعب وغيرهما ، وربّما تعلّقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنّصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن .
المقام الثّاني : سلّمنا أنّ اسمه كان تارح ، ثمّ لنا هاهنا وجوه :
الوجه الأوّل : لعلّ والد إبراهيم كان مسمّى بهذين الاسمين ، فيحتمل أن يقال : إنّ اسمه الأصليّ كان آزر وجعل تارح لقبا له ، فاشتهر هذا اللّقب وخفي الاسم ، فاللّه تعالى ذكره بالاسم . ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أنّ تارح كان اسما أصليّا وآزر كان لقبا غالبا ، فذكره اللّه تعالى بهذا اللّقب الغالب .
الوجه الثّاني : أن يكون لفظة ( آزر ) صفة مخصوصة في لغتهم ، فقيل : إنّ آزر اسم ذمّ في لغتهم ، وهو المخطئ ، كأنّه قيل : وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ ، كأنّه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحقّ . وقيل : آزر هو الشّيخ الهرم بالخوارزميّة ، وهو أيضا فارسيّة أصليّة .
الوجه الثّالث : أنّ ( آزر ) كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنّما سمّاه اللّه بهذا الاسم لوجهين :
أحدهما : أنّه جعل نفسه مختصّا بعبادته ، ومن بالغ في محبّة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحبّ . قال اللّه تعالى :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
الإسراء :
71 .
وثانيهما : أن يكون المراد « عابد آزر » ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
الوجه الرّابع : أنّ والد إبراهيم عليه السّلام كان تارح وآزر كان عمّا له ، والعمّ قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى اللّه تعالى عن أولاد يعقوب أنّهم قالوا :
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
البقرة : 133 ، ومعلوم أنّ إسماعيل كان عمّا ليعقوب ، وقد أطلقوا عليه لفظ الأب ، فكذا هنا .
واعلم أنّ هذه التّكلّفات إنّما يجب المصير إليها لو دلّ دليل باهر على أنّ والد إبراهيم ما كان اسمه آزر ، وهذا الدّليل لم يوجد البتّة ، فأيّ حاجة تحملنا على هذه التّأويلات . والدّليل القويّ على صحّة أنّ الأمر على ما يدلّ عليه ظاهر هذه الآية أنّ اليهود والنّصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النّسب كذبا لا متنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه ، وحيث لم يكذّبوه علمنا أنّ هذا النّسب صحيح . [ وفيه مباحث أخرى فلاحظ ] ( 13 : 37 )
القرطبيّ : هو [ آزر ] مشتقّ من : آزر فلان فلانا ، إذا عاونه ، فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام .
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، التّقدير : أتتّخذ آزر أصناما ؟ فعلى هذا ( آزر ) اسم جنس .
و ( آزر ) فيه قراءات : ( أإزرا ) بهمزتين ، الأولى مفتوحة والثّانية مكسورة ؛ عن ابن عبّاس . وعنه ( أأزرا ) بهمزتين مفتوحتين . وقرئ بالرّفع ، وروي ذلك عن ابن عبّاس . وعلى القراءتين الأوليين عنه ( تتّخذ ) بغير همزة . قال المهدويّ : ( أإزرا ) ؟ فقيل : إنّه اسم صنم ، فهو منصوب على تقدير : أتتّخذ ( إزرا ) ، وكذلك ( أأزرا ) ،