وعدوّ لك آخر ، لم يحسن ، لأنّه لغو من الكلام ، وهو يشبه « سائرا » و « بقيّة » و « بعضا » في أنّه لا يستعمل إلّا في جنسه ، فلو قلت : ضربت رجلا وتركت سائر النّساء ، لم يكن كلاما ، وقد يجوز ما امتنع بتأويل ، كرأيت فرسا وحمارا آخر ، نظرا إلى أنّه دابّة .
وفي الحديث : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجد خفّة في مرضه فقال : انظروا من أتّكئ عليه ، فجاءت بريرة ورجل آخر فاتّكأ عليهما » .
وحاصل هذا أنّه لا يوصف بآخر إلّا ما كان من جنس ما قبله ، لتتبيّن مغايرته في محلّ يتوهّم فيه اتّحاده ولو تأويلا ، وحينئذ لا يكون ما ذكره الزّمخشريّ نصّا في الخطأ ، ومخالفة استعمال العرب المعوّل عليه عند الجمهور . ( 5 : 164 )
الطّباطبائيّ : السّياق - وهو الدّعوة إلى ملازمة التّقوى الّذي أوصى اللّه به هذه الأمّة ، ومن قبلهم من أهل الكتاب - يدلّ على أنّ إظهار الاستغناء وعدم الحاجة المدلول عليه بقوله : ( ان يشا ) إنّما هو في أمر التّقوى . والمعنى أنّ اللّه وصّاكم جميعا بملازمة التّقوى فاتّقوه ، وإن كفرتم فإنّه غنيّ عنكم ، وهو المالك لكلّ شيء ، المتصرّف فيه كيفما شاء ولما شاء إن يشأ أن يعبد ويتّقى ، ولم تقوموا بذلك حقّ القيام ، فهو قادر أن يؤخّركم ويقدّم آخرين يقومون لما يحبّه ويرتضيه ،
وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً .
وعلى هذا ، فالآية ناظرة إلى تبديل النّاس إن كانوا غير متّقين بآخرين من النّاس يتّقون اللّه . وقد روي أنّ الآية لمّا نزلت ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يده على ظهر سلمان وقال : « إنّهم قوم هذا » ، وهو يؤيّد هذا المعنى ، وعليك بالتّدبّر فيه .
وأمّا ما احتمله بعض المفسّرين أنّ المعنى إن يشأ يفنكم ويوجد قوما آخرين مكانكم أو خلقا آخرين مكان الإنس ، فمعنى بعيد عن السّياق . نعم ، لا بأس به في مثل :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
إبراهيم : 19 ، 20 . ( 5 : 103 )
4 -
. . . وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ . . .
الأنفال : 60
النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : هم الجنّ . ( الآلوسيّ 10 : 26 )
مثله ابن عبّاس ، والطّبريّ . ( الآلوسيّ 10 : 27 )
مجاهد : بنو قريظة . ( الطّبريّ 10 : 31 )
الحسن : المنافقون ، لا يعلم المسلمون أنّهم أعداؤهم ، وهم أعداؤهم . ( الطّبرسيّ 2 : 555 )
مثله مقاتل ( الآلوسيّ 10 : 26 ) ، وابن زيد ( الطّبرسيّ 2 : 555 ) .
السّدّيّ : هؤلاء أهل فارس . ( الطّبريّ 10 : 31 )
ابن زيد : هم كلّ عدوّ للمسلمين ، غير الّذي أمر النّبيّ أن يشرّد بهم من خلفهم . ( الطّبريّ 10 : 31 )
الجبّائيّ : كلّ من لا تعرفون عداوته داخل فيه .
( الطّوسيّ 5 : 174 )
الطّبريّ : إنّ قول من قال : عني به الجنّ ، أقرب وأشبه بالصّواب ، لأنّه جلّ ثناؤه قد أدخل بقوله :
وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
الأمر بارتباط الخيل ، لإرهاب كلّ عدوّ للّه ، وللمؤمنين