المستثناتين ؛ حيث إنّهم يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ، غير أنّ اللّه سبحانه يخبر أنّهم منافقون غير مأمونين في مواعدتهم وموادعتهم ، ولذا بدّل الشّرطين المثبتين في حقّ غيرهم ، أعني قوله :
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
النّساء : 90 ، بالشّرط المنفيّ ، أعني قوله :
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ
النّساء : 91 ، إلخ . وهذا في معنى تنبيه المؤمنين على أن يكونوا على حذر منهم ، ومعنى الآية ظاهر . ( 5 : 31 )
3 -
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ . . .
النّساء : 133
ابن عبّاس : الخطاب للمشركين والمنافقين ، والمعنى ويأت بآخرين منكم . ( أبو حيّان 3 : 367 )
الطّبريّ : ويأت بناس آخرين غيركم ؛ لمؤازرة نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ونصرته .
وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّها لمّا نزلت ، ضرب بيده على ظهر سلمان ، فقال : « هم قوم هذا » ، يعني عجم الفرس . ( 5 : 319 )
الزّمخشريّ : يوجد إنسا آخرين مكانكم أو خلقا آخرين غير الإنس . ( 1 : 570 )
ابن عطيّة : يحتمل أن يكون وعيدا لجميع بني آدم ، ويكون « الآخرون » من غير نوعهم ، كما أنّه قد روي أنّه كان في الأرض ملائكة يعبدون اللّه قبل بني آدم . ( أبو حيّان 3 : 367 )
أبو حيّان : ظاهره أنّ الخطاب لمن تقدّم له الخطاب أوّلا .
وقال أبو سليمان الدّمشقيّ : الخطاب للكفّار ، وهو تهديد لهم ، كأنّه قال : إن يشأ يهلككم كما أهلك من قبلكم ؛ إذ كفروا برسله .
وقيل : للمؤمنين يطلق عليه اسم النّاس ، والمعنى إن شاء يهلككم كما أنشأكم وأنشأ قوما آخرين يعبدونه .
وقال الطّبريّ : الخطاب للّذين شفعوا في طعمة بن أبيرق ، وخاصم وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدّرع والدّقيق .
وهذا التّأويل بعيد ، وقد يظهر العموم فيكون خطابا للعالم الحاضر الّذي يتوجّه إليه الخطاب والنّداء ، ( ويأت بآخرين ) ، أي بناس غيركم . فالمأتيّ به من نوع المذهب ، فيكون من جنس المخاطب المنادى ، وهم النّاس .
[ وقال بعد نقل قول الزّمخشريّ وابن عطيّة : ]
وما جوّزه لا يجوز ، لأنّ مدلول « آخر » في اللّغة هو مدلول غير خاصّ بجنس ما تقدّم ، فلو قلت : جاء زيد وآخر معه ، أو مررت بامرأة وأخرى معها ، أو اشتريت فرسا وآخر ، وسابقت بين حمار وآخر ، لم يكن « آخر » ولا « أخرى » مؤنّثه ولا تثنيته ولا جمعه إلّا من جنس ما يكون قبله .
ولو قلت : اشتريت ثوبا وآخر ، ويعني به غير ثوب لم يجز . فعلى هذا تجويزهم أن يكون قوله : ( بآخرين ) من غير جنس ما تقدّم وهم النّاس ، ليس بصحيح . وهذا هو الفرق بين « غير » وبين « آخر » . لأنّ « غيرا » تقع على المغاير في جنس أو في صفة ، فتقول : اشتريت ثوبا وغيره ، فيحتمل أن يكون ثوبا ويحتمل أن يكون غير