الفخر الرّازيّ : قوله :
وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
فيه سؤال ، وهو أنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الآخذ هو اللّه ، وقوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
التّوبة : 103 ، يدلّ على أنّ الآخذ هو الرّسول عليه الصّلاة والسّلام .
وقوله عليه السّلام لمعاذ : « خذها من أغنيائهم » يدلّ [ على ] أنّ آخذ تلك الصّدقات هو معاذ ، وإذا دفعت الصّدقة إلى الفقير فالحسّ يشهد أنّ آخذها هو الفقير ، فكيف الجمع بين هذه الألفاظ ؟
والجواب من وجهين :
الأوّل : أنّه تعالى لمّا بيّن في قوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
أنّ الآخذ هو الرّسول ، ثمّ ذكر في هذه الآية أنّ الآخذ هو اللّه تعالى ، كان المقصود منه أنّ أخذ الرّسول قائم مقام أخذ اللّه تعالى ، والمقصود منه التّنبيه على تعظيم شأن الرّسول ؛ من حيث أنّ أخذه للصّدقة جار مجرى أن يأخذها اللّه . ونظيره قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ . . .
الفتح : 10 ، وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً
الأحزاب : 57 ، والمراد منه إيذاء النّبيّ عليه السّلام .
والجواب الثّاني : أنّه أضيف إلى الرّسول عليه السّلام بمعنى أنّه يأمر بأخذها ويبلّغ حكم اللّه في هذه الواقعة إلى النّاس ، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنّه هو الّذي يباشر الأخذ . ونظيره أنّه تعالى أضاف التّوفيّ إلى نفسه بقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ . . .
الأنعام : 60 ، وأضافه إلى ملك الموت ، وهو قوله تعالى :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
السّجدة : 11 ، وأضافه إلى الملائكة الّذين هم أتباع ملك الموت ، وهو قوله :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا . . .
الأنعام : 61 ، فأضيف إلى اللّه بالخلق وإلى ملك الموت للرّئاسة في ذلك النّوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت ، يعنى أنّهم هم الّذين يباشرون الأعمال الّتي عندها يخلق اللّه الموت ، فكذا هاهنا . ( 16 : 186 )
البيضاويّ : يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدّي بدله . ( 1 : 431 )
النّيسابوريّ : في إضافة « أخذ الصّدقات » إلى اللّه بعد أن أمر الرّسول بالأخذ ، تشريف عظيم لهذه الطّاعة ، وأنّها من اللّه بمكان ، وأنّه يربيها كما يربي أحدنا فلوه ، حتّى إنّ اللّقمة تكون عند اللّه أعظم من أحد . ( 11 : 17 )
الآلوسيّ : أي يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدّي بدله ؛ فالأخذ هنا استعارة للقبول ، وجوّز أن يكون إسناد الأخذ إلى اللّه تعالى مجازا مرسلا .
وقيل : نسبة الأخذ إلى الرّسول في قوله سبحانه :
( خذ ) ثمّ نسبته إلى ذاته تعالى ، إشارة إلى أنّ أخذ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام قائم مقام أخذ اللّه تعالى ، تعظيما لشأن نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ . . .
الفتح : 10 ، فهو على حقيقته ، وهو معنى حسن ، إلّا أنّ في دعوى الحقيقة ما لا يخفى .
والمختار عندي أنّ المراد « بأخذ الصّدقات » الاعتناء بأمرها ووقوعها عنده سبحانه موقعا حسنا ، وفي التّعبير به ما لا يخفى من التّرغيب . ( 11 : 15 )
رشيد رضا : أي يتقبّلها بأنواعها ويثيب عليها ،