لوقوعه في حيّز النّفي ، وصحّة دخول ( بين ) عليه ، باعتبار معطوف قد حذف لظهوره ، أي بين أحد منهم وبين غيره . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وفيه من الدّلالة صريحا على تحقّق عدم التّفريق بين كلّ فرد فرد منهم ، وبين من عداه كائنا من كان ، ما ليس في أن يقال : « لا نفرّق بينهم » . ( 1 : 129 )
الآلوسيّ : ( أحد ) أصله : وحد ، بمعنى واحد ؛ وحيث وقع في سياق النّفي عمّ واستوى فيه الواحد والكثير ، وصحّ إرادة كلّ منهما . وقد أريد به هنا الجماعة ، ولهذا ساغ أن يضاف إليه ( بين ) ، ويفيد عموم الجماعات ، كذا قاله بعض المحقّقين .
وهو مخالف لما هو المشهور عند أرباب العربيّة : من أنّ الموضوع في النّفي العامّ أو المستعمل مع « كلّ » في الإثبات همزته أصليّة ، بخلاف ما استعمل في الإثبات بدون « كلّ » فإنّ همزته منقلبة عن واو .
ومن هنا قال العلّامة التّفتازانيّ : إنّ ( أحد ) في معنى الجماعة بحسب الوضع ، لأنّه اسم لمن يصلح أن يخاطب ، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث والمفرد والمثنّى والمجموع ، ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة « كلّ » أو مع النّفي .
نصّ على ذلك أبو عليّ وغيره من أئمّة العربيّة وهذا غير الأحد الّذي هو أوّل العدد في قوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
الإخلاص : 1 ، وليس كونه في معنى الجماعة ، من جهة كونه نكرة في سياق النّفي ، على ما سبق إلى كثير من الأوهام . ألا ترى أنّه لا يستقيم ، لا نفرّق بين رسول من الرّسل ، إلّا بتقدير عطف ، أي رسول ورسول ، و
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ
الأحزاب : 32 ، ليس في معنى كامرأة منهنّ . إنتهى .
وأنت بعد التّأمّل تعلم أنّ ما ذكره العلّامة لا يرد على ذلك البعض ، وإنّما ترد عليه المخالفة في الأصالة وعدمها فقط . ولعلّ الأمر فيها سهل ، على أنّ دعوى عدم تلك الاستقامة إلّا بذلك التّقدير غير مجمع عليه .
فقد ذكر في « الانتصاف » أنّ النّكرة الواقعة في سياق النّفي تفيد العموم لفظا عموما شموليّا حتّى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله الآحاد مطابقة ، لا كما ظنّه بعض الأصوليّين من أنّ مدلولها بطريق المطابقة في النّفي كمدلولها في الإثبات ، وجعل هذا التّعدّد والعموم وضعا هو المسوّغ لدخول ( بين ) عليها هنا .
ومن النّاس من جوّز كون « أحد » في الآية بمعنى « واحد » ، وعمومه بدليّ ، وصحّة دخول ( بين ) عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره بين أحد منهم وغيره .
وفيه من الدّلالة على تحقّق التّفريق بين كلّ فرد فرد منهم ، وبين من عداه كائنا من كان ، ما ليس في أن يقال :
لا نفرّق بينهم ، ولا يخفى ما فيه . ( 1 : 395 )
2 -
. . . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . . .
البقرة : 285
ابن قتيبة : ( أحد ) في معنى جميع ، كأنّه قال :
لا نفرّق بين رسله ، فنؤمن بواحد ، ونكفر بواحد . ( 100 )
نحوه الزّمخشريّ . ( 1 : 407 )
ممّا يخالف ظاهر اللّفظ معناه « واحد » يراد به جميع ، كقوله تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
والتّفريق