تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وظاهر قوله :
وَما أُوتِيَ
يقتضي التّعميم في الكتب والشّرائع . ( 1 : 408 ) الآلوسيّ : أي التّوراة والإنجيل ، ولكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرّفوا فيهما ، وادّعوا أنّهما أنزلا كذلك ، والمؤمنون ينكرونه ، اهتمّ بشأنهما فأفردهما بالذّكر ، وبيّن طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السّابق ، ولأنّ أمرهما أيضا بالنّسبة إلى ( موسى وعيسى ) أنّهما منزلان عليهما حقيقة ، لا باعتبار التّعبّد فقط ، كما في المنزل على ( اسحق ويعقوب والأسباط ) ، ولم يعد الموصول لذلك في ( عيسى ) ، لعدم مخالفة شريعته لشريعة ( موسى ) إلّا في النّزر ، ولذلك الاهتمام عبّر بالإيتاء دون الإنزال ؛ لأنّه أبلغ لكونه المقصود منه ، ولما فيه من الدّلالة على الإعطاء الّذي فيه شبه التّمليك والتّفويض ، لهذا يقال : أنزلت الدّلو في البئر ، ولا تقول : آتيتها إيّاها ، ولك أن تقول : المراد بالموصول هنا ما هو أعمّ من التّوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظّاهرة بأيدي هذين النّبيّين الجليلين حسبما فصّل في التّنزيل الجليل ، وإيثار الإيتاء لهذا التّعميم . ( 1 : 395 ) رشيد رضا : قال الأستاذ الإمام : وهاهنا نكتة دقيقة في اختلاف التّعبير عن الوحي الّذي منحه اللّه الأنبياء ؛ إذ عبّر ب ( انزل ) تارة وب ( أوتى ) تارة أخرى ، وهي أنّ التّعبير ب ( انزل ) ذكر هنا في جانب الأنبياء الّذي ليس لهم كتب تؤثر ولا صحف تنقل ، وذلك أنّ إنزال الوحي على نبيّ لا يستلزم إعطاؤه كتابا يؤثر عنه ، وهذا ظاهر إذا كان النّبيّ غير مرسل ، فإنّ الوحي إليه يكون خاصّا به ، ويكون إرشاده للنّاس أن يعملوا بشرع رسول آخر إن كان بعث فيهم رسول ، وإلّا كان قدوة في الخير ومعدّا للنّفوس لبعثة نبيّ مرسل . وأمّا النّبيّ المرسل فقد يؤمر بالتّبليغ الشّفاهي ولا يعطى كتابا باقيا ، وقد يكتب ما يوحى إليه في عصره فيضيع من بعده . فهؤلاء الرّسل الكرام الّذين عبّر عنهم بقوله : ( وما انزل إلى إبراهيم و . . . ) لا يؤثر عن أحد منهم كتاب مسند صحيح ولا غير صحيح ، وإنّنا نؤمن بأنّهم كانوا أنبياء ، وأنّ ما نزّل عليهم هو دين اللّه الحقّ ، وأنّه موافق في جوهره وأصوله لما أنزل على من بعدهم . وما ذكر اللّه من ( ملّة إبراهيم ) بالنّصّ هو روح ذلك الوحي كلّه . وقد جاء في سورة النّجم وسورة الأعلى ذكر صحف لإبراهيم . فنؤمن أنّه كان له صحف ، ولا نزيد على ما ورد شيئا ، وأمّا إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط فلم يثبت أنّ لهم صحفا ولا كتبا ، فنؤمن بما أنزل إليهم بالإجمال ، ونعتقد أنّه عين ملّة إبراهيم . وجاء التّعبير عن وحي الّذين كان لهم كتب تؤثر بقوله :
وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ،
فهو يشير بالإيتاء إلى أنّ ما أوحي إليهم له وجود يمكن الرّجوع إليه والنّظر فيه ، فإنّ أقوامهم يأثرون عنهم كتبا . [ إلى أن قال : ] وأمّا ما ذكره شيخنا من نكتة اختلاف التّعبير فيشكل بقوله في أوّل الآية :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ،
أي معشر المسلمين وهو القرآن ، وقوله بعد :
وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ ،
ولم يعلم أنّه كان لغير داود منهم كتاب منزل . على أنّ عدم العلم بكتب أنزلت على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق لا يدلّ على عدم تلك الكتب . ولعلّ نكتة