تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
تعالى :
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الفاطر : 15 ، وقال تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
الزّمر : 62 ، إلى غير ذلك من الآيات وهي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن ، فما ورد من الآيات وظاهرها إسناد شيء من الصّفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها ، ويفهم منها معنى من المعاني . لا ينافي صفاته العليا وأسماءه الحسنى تبارك وتعالى ، فالآيات المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه تعالى ، كقوله تعالى :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
الفجر : 22 ، وقوله تعالى :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
الحشر : 2 ، وقوله تعالى :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
النّحل : 26 ، كلّ ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدّست أسماؤه كالإحاطة ونحوها ولو مجازا ، وعلى هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى :
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
الإحاطة بهم للقضاء في حقّهم . على أنّا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النّسب وفعلا من الأفعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط فربّما نسبها إلى نفسه وربّما نسبها إلى أمره ، كقوله تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
الزّمر : 42 ، وقوله تعالى :
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
السّجدة : 11 ، وقوله تعالى :
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
الأنعام : 61 ، فنسب التّوفّي تارة إلى نفسه وتارة إلى الملائكة ، ثمّ قال تعالى في أمر الملائكة :
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
الأنبياء : 27 ، وكذلك قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ
يونس : 93 ، وقوله تعالى :
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ
المؤمن : 78 ، وكما في هذه الآية :
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ . . . ،
وقوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل : 33 . وهذا يوجب صحّة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى ، نظير
جاءَ رَبُّكَ ،
و
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
فالتّقدير : جاء أمر ربّك ، ويأتيهم أمر اللّه . فهذا هو الّذي يوجبه البحث السّاذج في معنى هذه النّسب على ما يراه جمهور المفسّرين ، لكن التّدبّر في كلامه تعالى يعطي لهذه النّسب معنى أرقّ وألطف من ذلك ، وذلك أنّ أمثال قوله تعالى :
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
فاطر : 15 ، وقوله تعالى :
الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
ص : 9 ، وقوله تعالى :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
طه : 50 ، تفيد أنّه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها ، مليء بما يهبه ويجود به ، وإن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادّة وأحكامها الجسمانيّة يصعب عليها تصوّر كيفيّة اتّصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصّفات ونسبته إليه تعالى ، لكن هذه المعاني إذا جرّدت عن قيود المادّة ، وأوصاف الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور ، فالنّقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعالى ، فإذا لم يصاحب المعنى نقصا وحاجة لتجريده عنه صحّ إسناده إليه تعالى بل وجب ذلك ؛ لأنّ كلّ ما يقع عليه اسم شيء فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته . فالمجيء والإتيان الّذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة واقترابه منه إذا جرّد عن خصوصيّة المادّة كان هو حصول القرب ، وارتفاع المانع