فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه ؟ يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض ، وكما أنّه سبحانه أحدث فعلا سمّاه نزولا واستواء ، كذلك يحدث فعلا يسمّيه إتيانا ، وأفعاله بلا آلة ولا علّة ، سبحانه . وقد سكت بعضهم عن تأويلها ، وتأوّلها بعضهم كما ذكرنا .
ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه ممّا جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزّوال ، لأنّ ذلك من صفات الأجرام والأجسام ، تعالى اللّه الكبير المتعال ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوّا كبيرا .
( 3 : 25 )
النّيسابوريّ : أمّا إتيان اللّه فقد أجمع المفسّرون على أنّه سبحانه منزّه عن المجيء والذّهاب ، لأنّ هذا من شأن المحدثات والمركّبات ، وأنّه تعالى أزليّ فرد في ذاته وصفاته . فذكروا في الآية وجهين :
الأوّل : وهو مذهب السّلف الصّالح ، السّكوت في مثل هذه الألفاظ عن التّأويل ، وتفويضه إلى مراد اللّه تعالى ، كما يروى عن ابن عبّاس أنّه قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعذر أحد بجهالته ، ووجه يعرفه العلماء ويفسّرونه ، ووجه يعرف من قبل العربيّة فقط ، ووجه لا يعلمه إلّا اللّه .
الثّاني : وهو قول جمهور المتكلّمين أنّه لا بدّ من التّأويل على سبيل التّفصيل ، فقيل : جعل مجيء الآيات مجيئا له تفخيما لها ، كما يقال : جاء الملك ، إذا جاء جيش عظيم من جهته .
وقيل : المراد إتيان أمره وبأسه ، فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر :
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل :
33
فَجاءَها بَأْسُنا
الأعراف : 4 .
قيل : المأتيّ به محذوف ، والمعنى إلّا أن يأتيهم اللّه ببأسه أو بنقمته ؛ للدّلالة عليه بقوله : ( عزيز ) . وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد ، لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كلّ وجه .
وقيل : الغرض من ذكر إتيان اللّه تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع ، كقوله تعالى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
الزّمر : 67 ، ولا قبض ولا طيّ ولا يمين ، وإنّما الغرض تصوير عظمة شأنه . ( 2 : 204 )
أبو حيّان : الإتيان : حقيقة في الانتقال من حيّز إلى حيّز ، وذلك مستحيل بالنّسبة إلى اللّه تعالى ، فروى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّ هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر ولم يزل السّلف في هذا وأمثاله يؤمنون ، ويكلون فهم معناه إلى علم المتكلّم به وهو اللّه تعالى .
والمتأخّرون تأوّلوا « الإتيان » وإسناده على وجوه :
أحدها : أنّه إتيان على ما يليق باللّه تعالى من غير انتقال .
الثّاني : أنّه عبّر به عن المجازات لهم والانتقام ، كما قال :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
النّحل : 26 ،
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
الحشر : 2 .
الثّالث : [ قول الزّجّاج وقد تقدّم ] .
الرّابع : أنّه على حذف مضاف ، التّقدير : أمر اللّه ، بمعنى ما يفعله اللّه بهم ، لا الأمر الّذي مقابله النّهي ، ويبيّنه قوله بعد :
وَقُضِيَ الْأَمْرُ . . .
البقرة : 210 .
الخامس : قدرته .