وإتيان اللّه ، واحتماله أن يريد أمر اللّه ، ودليل آياته كقوله في موضع آخر :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ
الأنعام : 158 ، فجميع هذه الآيات المتشابهة محمولة على ما بيّنه في قوله :
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل : 33 ، لأنّ اللّه تعالى لا يجوز عليه الإتيان ولا المجيء ولا الانتقال ولا الزّوال ، لأنّ ذلك من صفات الأجسام ودلالات الحدث ، وقال تعالى في آية محكمة :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . . .
الشّورى : 11 .
فإن قيل : فهل يجوز أن يقال : جاء ربّك ، بمعنى جاء كتابه أو جاء رسوله أو ما جرى مجرى ذلك ؟
قيل له : هذا مجاز ، والمجاز لا يستعمل إلّا في موضع يقوم الدّليل عليه ، وقد قال تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها
يوسف : 82 ، وهو يريد أهل القرية ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
الأحزاب : 57 ، وهو يعني أولياء اللّه . والمجاز إنّما يستعمل في الموضع الّذي يقوم الدّليل على استعماله فيه أو فيما لا يشتبه معناه على السّامع . ( 1 : 318 )
عبد الجبّار : ربّما قيل : كيف قال تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ . . .
وكيف يصحّ ذلك ويتعالى اللّه عن جواز الإتيان عليه ؟
وجوابنا : أنّ المراد إتيان الملائكة أو متحمّلي أمره كما قال تعالى في سورة النّحل :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل : 33 ، وهذا كقوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
الفجر : 22 ، والمراد رسل ربّك . ( 48 )
الطّوسيّ : معنى الآية ما ينظرون يعني المكذّبين بآيات اللّه محمّدا وما جاء به من القرآن والآيات إلّا أن يأتيهم أمر اللّه وعذابه .
وقد يقال : « أتى » و « جاء » فيما لا يجوز عليه المجيء والذّهاب ، يقولون : أتاني وعيد فلان وكلام فلان ، وكلّ ذلك لا يراد به الإتيان الحقيقيّ . ( 2 : 189 )
الزّمخشريّ : إتيان اللّه : إتيان أمره وبأسه كقوله :
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل : 33 ،
فَجاءَها بَأْسُنا
الأعراف : 4 ، ويجوز أن يكون المأتيّ به محذوفا بمعنى أن يأتيهم اللّه ببأسه أو بنقمته ، للدّلالة عليه بقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ . . .
( 1 : 353 )
مثله البيضاويّ . ( 1 : 112 )
الطّبرسيّ : [ نحو الطّوسيّ وأضاف ]
قيل : معناه ما ينتظرون إلّا أن يأتيهم جلائل آيات اللّه ، غير أنّه ذكر نفسه تفخيما للآيات ، كما يقال : دخل الأمير البلد ، ويراد بذلك جنده . ( 1 : 303 )
الفخر الرّازيّ : [ له بحث مستوفى في معنى مجيء اللّه لخصّه النّيسابوريّ كما يأتي ] . ( 5 : 232 )
القرطبيّ : [ نقل قول الزّجّاج والأخفش ثمّ قال : ]
وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء ، فسمّي الجزاء إتيانا كما سمى التّخويف والتّعذيب في قصّة نمرود إتيانا ، فقال :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
النّحل : 26 .
وقال في قصّة النّضير :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
الحشر : 2 ،
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها
الأنبياء : 47 ، وإنّما احتمل الإتيان هذه المعاني ، لأنّ أصل الإتيان عند أهل اللّغة هو القصد إلى الشّيء ، فمعنى الآية هل ينظرون إلّا أن يظهر اللّه تعالى