والأولى أن يكون المعنى أمر اللّه ؛ إذ قد صرّح به في قوله :
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل : 33 ، وتكون عبارة عن بأسه وعذابه ، لأنّ هذه الآية إنّما جاءت مجيء التّهديد والوعيد . وقيل : المحذوف آيات اللّه فجعل مجيء آياته مجيئا له على التّفخيم لشأنها . ( 2 : 124 )
الآلوسيّ :
( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ )
بالمعنى اللّائق به جلّ شأنه منزّها عن مشابهة المحدثات والتّقيّد بصفات الممكنات .
ومن النّاس من قدّر في أمثال هذه المتشابهات محذوفا ، فقال في الآية : الإسناد مجازيّ ، والمراد يأتيهم أمر اللّه تعالى وبأسه . أو حقيقيّ ، والمفعول محذوف ، أي يأتيهم اللّه تعالى ببأسه . وحذف المأتيّ به للدّلالة عليه بقوله سبحانه :
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
البقرة : 209 ، فإنّ العزّة والحكمة تدلّ على الانتقام بحقّ ، وهو البأس والعذاب . ( 2 : 98 )
رشيد رضا : إتيان اللّه تعالى فسّره الجلال وآخرون بإتيان أمره ، أي عذابه ، كقوله في آية أخرى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
النّحل : 33 ، أي فهو بمعنى ما جاء من التّخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها .
وأقرّ الأستاذ الإمام الجلال على ذلك ، وبيّن في الدّرس أنّ هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف ، وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازا ، وأوضحه أتمّ الإيضاح . فهو على حدّ
( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ )
.
ومن المفسّرين من قال : إنّ الإسناد حقيقيّ وإنّما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السّابق ، أي هل ينظرون إلّا أن يأتيهم اللّه بما وعدهم به من السّاعة والعذاب .
وعدّه آخرون من المتشابهات ، فقالوا : إنّ اللّه تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر ، بل إتيانه من صفاته الّتي لا نبحث عن كيفيّتها اتّباعا للسّلف .
وقد يقال : إنّه ليس من مقتضى مذهب السّلف أن يجعل كلّ ما يسند إلى اللّه تعالى من المتشابهات الّتي لا تفهم بحال ولا تفسّر ولو بإجمال ، فحسبنا أن نقول على رأي من فسّر إتيان اللّه هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب ، أو إتيانه بما وعد به إنّنا نفوّض إليه تعالى كيفيّة ذلك ، وبذلك نكون على طريقة السّلف في التّفويض ، مع العلم بأنّ اللّه تعالى ينذر الّذين زلّوا عن صراطه وفرّقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق .
وممّا يدلّنا على أنّ المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى :
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
الفرقان : 25 ، مع الآيات الكثيرة النّاطقة بأنّ قيام السّاعة وخراب العالم يكون
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
الانشقاق : 1 ، وانتثرت كواكبها ، وإنّما يأتي بذلك اللّه تعالى بتغيير هذا النّظام الّذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كلّ كوكب في فلكه . ( 2 : 262 )
الطّباطبائيّ : إنّ من الضّروريّ الثّابت بالضّرورة من الكتاب والسّنّة أنّ اللّه سبحانه وتعالى لا يوصف بصفة الأجسام ، ولا ينعت بنعوت الممكنات ممّا يقضي بالحدوث ، ويلازم الفقر والحاجة والنّقص ، فقد قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
الشّورى : 11 ، وقال