الإغاثة وقرب حصولها : قد جاءك الغوث فلا تجزع .
والوجه الثّاني : وهو أن يقال : إنّ أمر اللّه بذلك حكمه به قد أتى وحصل ووقع ، فأمّا المحكوم به فإنّما لم يقع ، لأنّه تعالى حكم بوقوعه في وقت معيّن فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود . ( 19 : 218 )
مثله النّيسابوريّ . ( 14 : 44 )
القرطبيّ : قيل : ( اتى ) بمعنى يأتي ، فهو كقولك : إن أكرمتني أكرمتك . وقد تقدّم أنّ إخبار اللّه تعالى في الماضي والمستقبل سواء ، لأنّه آت لا محالة ، كقوله :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ
الأعراف :
44 . ( 10 : 65 )
أبو حيّان : ( اتى ) قيل : باق على معناه من المضيّ ، والمعنى أتى أمر اللّه وعدا فلا تستعجلوه وقوعا ، وقيل :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
أتت مبادئه وأماراته ، وقيل : عبّر بالماضي عن المضارع لقرب وقوعه وتحقّقه . ( 5 : 472 )
السّيوطيّ : [ الفرق بين جاء وأتى ] أنّ الأوّل يقال في الجواهر والأعيان ، والثّاني في المعاني والأزمان ، ولهذا ورد ( جاء ) في قوله :
وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ
يوسف :
72 ،
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
يوسف : 18 ،
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ
الفجر : 23 ، و ( اتى ) في
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
النّحل : 1 ،
أَتاها أَمْرُنا
يونس : 24 .
وأمّا
وَجاءَ رَبُّكَ
الفجر : 22 ، أي أمره ، فإنّ المراد به أهوال القيامة المشاهدة ، وكذا
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ
الأعراف : 34 ، لأنّ الأجل كالمشاهد ولهذا عبّر عنه بالحضور في قوله :
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
البقرة : 180 ، ولهذا فرّق بينهما في قوله :
جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ
الحجر : 63 ، 64 ، لأنّ الأوّل العذاب وهو مشاهد مرئيّ ، بخلاف الحقّ . ( 2 : 365 )
من المجاز في المفرد إقامة صيغة مقام أخرى ، وتحته أنواع كثيرة :
منها : إطلاق الماضي على المستقبل لتحقّق وقوعه ، نحو :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ ،
أي السّاعة ، بدليل
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
. ( 3 : 131 )
إنّ آخر الحجر شديدة الالتئام بأوّل هذه ، فإنّ قوله سبحانه
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
الحجر : 99 ، الّذي هو مفسّر بالموت ظاهر المناسبة بقوله سبحانه هنا :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
. وانظر كيف جاء في المتقدّمة ( يأتيك ) بلفظ المضارع ، وفي المتأخّرة ( اتى ) بلفظ الماضي ، لأنّ المستقبل سابق على الماضي كما تقرّر في محلّه .
( الآلوسيّ 14 : 90 )
البروسويّ : إتيانه عبارة عن دنوّه واقترابه على طريقة نظم المتوقّع في سلك الواقع وقد وقع يوم بدر ، والمعنى دنا واقترب ما وعدتم به أيّها الكفرة . ( 5 : 2 )
الآلوسيّ : ظاهر صنيع الكثير يشعر باختيار أنّ الماضي بمعنى المضارع على طريق الاستعارة ، بتشبيه المستقبل المتحقّق بالماضي في تحقّق الوقوع ، والقرينة عليه قوله سبحانه :
( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ )
، فإنّه لو وقع ما استعجل ، وهو الّذي يميل إليه القلب . ( 14 : 90 )
المراغيّ : أي قرب ودنا ، ويقال في مجرى العادة لما يجب وقوعه : قد أتى وقد وقع ، فيقال لمن طلب مساعدة حان مجيئها : جاءك الغوث . ( 14 : 51 )