نظيران ، فحملوه على نظيره ، كما حملوا يذر على يدع ، لاتّفاقهما في المعنى وإن لم يكن في يذر حرف حلقيّ .
والقول الآخر : إنّهم أجروا الألف مجرى الهمزة ، لأنّها من مخرجها ، قالوا : أبى يأبى ، كما قالوا : بدأ يبدأ .
والقول الأوّل أصحّ ، لأنّ ألفات الأفعال لسن بأصول ، وإنّما هنّ منقلبات عن ياء أو واو ، وألف يأبى إنّما وجدت بعد وجود الفتحة الملاصقة لها ، فلو لا الفتحة لم تصر الياء ألفا . والفتحة في : يمنع ويبدأ ويجبه ونحو ذلك ، إنّما حدثت بعد وجود حرف الحلق .
وقال بعض النّحويّين : إنّما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط ، توهّموا أنّ ماضيه على « فعل » . وعوّل أبو القاسم الثّمانيني على هذا القول . والصّواب ما ذكرته أوّلا . ( 1 : 138 )
الطّبرسيّ : تقول من الإباء : أبى يأبى ، ولم يأت مثله في اللّغة ، لأنّ « فعل يفعل » لا يأتي إلّا أن يكون في موضع العين من الفعل ، أو اللّام حرف من حروف الحلق . والقول فيه : إنّ الألف من أبى أشبهت الهمزة فجاء « يفعل » منه مفتوحا لهذه العلّة . ( 1 : 397 )
ابن الأثير : في الحديث : « كلّكم في الجنّة إلّا من أبى وشرد » ، أي إلّا من ترك طاعة اللّه الّتي يستوجب بها الجنّة ، لأنّ من ترك التّسبّب إلى شيء لا يوجد بغيره فقد أباه . والإباء : أشدّ الامتناع . وفي حديث أبي هريرة :
« ينزل المهديّ فيبقى في الأرض أربعين ، فقيل : أربعين سنة ؟ فقال : أبيت ، فقيل : شهرا ؟ فقال : أبيت ، فقيل :
يوما ؟ فقال : أبيت » ، أي أبيت أن تعرفه فإنّه غيب لم يرد الخبر ببيانه ، وإن روي أبيت بالرّفع ، فمعناه أبيت أن أقول في الخبر ما لم أسمعه .
وفي حديث ابن ذي يزن ، قال له عبد المطّلب لمّا دخل عليه : « أبيت اللّعن » كان هذا من تحايا الملوك في الجاهليّة والدّعاء لهم ، ومعناه أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه وتذمّ . ( 1 : 20 )
القرطبيّ : يقال : أبى يأبى إباء ، وهو حرف نادر جاء على « فعل يفعل » ليس فيه حرف من حروف الحلق . وقد قيل : إنّ الألف مضارعة لحروف الحلق .
قال الزّجّاج : سمعت إسماعيل بن القاضي يقول :
القول عندي أنّ الألف مضارعة لحروف الحلق .
( 1 : 295 )
أبى يأبى شاذّ ، ولم يجئ إلّا قلى يقلى ، وأبى يأبى ، وغشى يغشى ، وجبى الخراج يجبى . ( 3 : 385 )
ابن منظور : أبى الشّيء يأباه إباء وإباءة : كرهه .
وماء مأباة : تأباه الإبل . وأخذه أباء من الطّعام ، أي كراهيّة له . جاؤوا به على « فعال » لأنّه كالدّاء ، والأدواء ممّا يغلب عليها « فعال » .
والآبية : الّتي تعاف الماء ، وهي أيضا الّتي لا تريد العشاء ، وفي المثل : « العاشية تهيّج الآبية ، أي إذا رأت الآبية الإبل العواشي تبعتها فرعت معها .
أبيت من الطّعام واللّبن إبى : انتهيت عنه من غير شبع . ورجل أبيان : يأبى الطّعام .
وأوبي الفصيل يوبى إيباء ، وهو فصيل موبى ، إذا سنق لامتلائه . وأوبي الفصيل عن لبن أمّه ، أي اتّخم عنه لا يرضعها . وأبي الفصيل أبى وأبي : سنق من اللّبن وأخذه أباء .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 190
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص١٩٠