تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 929

مساهمون:

ص٩٢٩
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً
وما يعبدون أو ما ينادون في الواقع إلا شيطانا شريرا عاتيا متمردا ، خارجا عن الطاعة ، وهو إبليس ؛ فهو الذي زين لهم دعاءها وعبادتها ؛ فأطاعوه ، فكانت طاعتهم له عبادة . 118 -
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
.
لَعَنَهُ اللَّهُ
. طرده وأبعده عن رحمته ؛ لتمرّده واستكباره عن طاعة ربه ، وعدم سجوده لآدم ، فأخرجه اللّه من الجنة مذموما مدحورا مطرودا من رحمة اللّه في عاجله وآجله .
وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
. أي : بعد أن لعنه اللّه وطرده من جواره ، قال يخاطب اللّه تعالى :
لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
. يريد توكيد استيلائه - بالوسوسة - على إرادة أبناء آدم عدوه ؛ حتى يسخرها في سبيل الغواية والفساد عقيدة وعملا حتى كأنهم نصيب مفروض مقطوع له . قال الزجاج : الفرض في اللغة : القطع ، والفرض فيما ألزمه اللّه العباد جعله حتما عليهم قاطعا . وقال مقاتل : النصيب المفروض : أن من كل ألف إنسان واحد في الجنة وسائرهم في النار ، وفي تفسير القرطبي 5 / 388 قلت : وهذا صحيح معنى ، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة : « ابعث بعث النار ، فيقول : وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين » 105 أخرجه مسلم ، وبعث النار : هو نصيب الشيطان . وفي تفسير ابن كثير :
وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
. أي : معينا مقدرا معلوما . قال قتادة : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة 106 . وقال ابن قتيبة : أي : حظا أفترضه لنفسي منهم فأضلهم 107 . 119 -
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ . . .
يؤكد الشيطان اللعين توكيدا بعد توكيد ، أنه سيضل عباد اللّه عن الحق . قال الألوسى :
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
. الأماني الباطلة ، وأقوالهم : ليس وراءكم بعث ، ولا نشر ، ولا جنة ، ولا نار ، ولا ثواب ولا عقاب ، فافعلوا ما شئتم ، وقيل : أمنّيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوّفون في العمل . وقيل : أمنيهم بالأهواء الباطلة ، الداعية إلى المعصية ، وأزيّن لهم شهوات الدنيا وزهراتها ، وأدعو كلا منهم إلى ما يميل إليه طبعه فأصدّه بذلك عن الطاعة .
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
. يؤكد الشيطان أنه سيأمرهم بتبكيت آذان الأنعام ؛ فيطيعون أمره . . وتبكيت آذان الأنعام : تقطيعها أو شقّها . وهذا إشارة إلى ما كانت الجاهلية تفعله ؛ من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن ، وجاء الخامس ذكرا ؛ وتحريم ركوبها ، وسائر وجوه الانتفاع بها 108 .