جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم ، كما جعلت ظلما لها ؛ لأن الضرر راجع إليهم ، ( فإن قلت ) : لم قيل
لِلْخائِنِينَ
.
يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
. وكان السارق طعمه بن أبيرق وحده ؟ .
( قلت ) : لوجهين :
أحدهما : أن قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه فكانوا شركاء له في الإثم .
والثاني : أنه جمع ليتناول طعمة ، وكل من خان خيانة ، فلا تخاصم لخائن قط ، ولا تجادل عنه 88 .
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
.
أي : لا يرضى عمن يكثرون من الخيانة والإثم ، بارتكاب المعاصي ، وانتهاك محارم اللّه ، واتهام غيرهم بهتانا وزورا .
« والذين لا يحبهم اللّه لا يجوز أن يجادل عنهم أحد ولا أن يحامى عنهم أحد ، وقد كرههم اللّه للإثم والخيانة » 89 .
108 -
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ . . .
الآية
يستترون من الناس ؛ مخافة أن يظهروا أمامهم بالإثم « والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرّا بينما الذي يملك النفع والضرّ معهم مطلع عليهم وهم يزورون من القول ما لا يرضاه ، فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف ؟ ! » 90 .
قال الزمخشري في الكشاف :
وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم - إن كانوا مؤمنين - أنهم في حضرته 91 .
وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً . . .
أي : وكان اللّه بجميع أعمالهم - عليما - شامل العلم ، فلا تخفى عليه خلجات نفوسهم ، وخفايا أسرارهم ، وهم تحت عينه وفي قبضته .
109 -
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . .
الآية
تجىء هذه الآية في مقام الإنكار ، على هؤلاء الذين جادلوا عن طعمة بن أبيرق ، وألصقوا التهمة بيهودي برئ .
والمعنى : هبوا أنكم بذلتم الجهد في المخاصمة عمن أشارت إليه الأخبار في الدنيا .
فما جدوى الجدال في الدنيا ، إذا كان ذلك لا يغنى عنهم من عذاب اللّه شيئا ؟ !