وقد ساق الإمام ابن كثير في تفسيره طائفة من الأحاديث تتعلق بهذه الآية . منها ما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال : « ألا إنما أنا بشر وإنما أقضى بنحو ما أسمع ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ؛ فأقضى له ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها ! » 84
سبب نزول هذه الآية وما بعدها :
ذكر ابن الجوزي ثلاثة أقوال في سبب نزول هذه الآية .
وقال ابن كثير : ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بنى أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة .
وقال ابن الجوزي :
جمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء والتبييت : قوم طعمة بن أبيرق وقد بيتوا :
احتيالهم في براءة صاحبهم بالكذب .
وقصة الآية :
أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتادة بن النعمان ؛ وكان الدرع في جراب فيه دقيق ؛ فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب ، حتى انتهى إلى الدار ، ثم خبأها عند رجل من اليهود ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده ، وحلف : ما لي بها علم ، فقال أصحابها : بلى واللّه ، لقد دخل علينا فأخذها ، وطلبنا أثره حتى دخل داره ، فرأينا أثر الدقيق ، فلما حلف تركوه ، واتبعوا أثر الدقيق ؛ حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه ، فقال : دفعها إلىّ طعمة بن أبيرق ، فقال قوم طعمة : انطلقوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ حتى نبرئ صاحبنا وندافع عنه ، فمال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى كلامهم ، وهمّ أن يجادل عن طعمة بن أبيرق ، وأن يعاقب اليهودىّ ؛ فنزلت هذه الآيات كلها ؛ تبرّئ اليهودي وتلطخ طعمة بعار السرقة 85 وفي ذلك نلمح صدق القرآن فهو يتحيّز إلى الحق ، ويدافع عن يهودي برئ ، ويوجه الاتهام إلى مسلم خائن ؛ لأن القرآن كلام اللّه الحق ، ومن أصدق من اللّه حديثا ؟ !
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
.
إنا أنزلنا إليك القرآن الكريم ناطقا بالحق ، داعيا إليه وإلى التمسك به ؛ لتحكم بين الناس على اختلاف عقائدهم ، بما عرّفك اللّه وأوحى به إليك ، ولا تكن مجادلا عن الخائنين ؛ فينتصروا على البرءاء .
قال ابن الجوزي :
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
. أي : لتقضى بينهم ، وفي قوله :
بِما أَراكَ اللَّهُ
. قولان :