وأما قوله :
فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
.
فقد اختلف أهل التأويل في معنى هذه الجملة .
1 - فقال بعضهم : معناه : فجزاؤه جهنم إن جازاه اللّه وإن شاء تجاوز عنه .
2 - وقال آخرون : عنى بذلك رجلا بعينه كان أسلم فارتدّ عن إسلامه وقتل رجلا مؤمنا قالوا : فمعنى الآية : ومن قتل مؤمنا مستحلا قتله ؛ فجزاؤه جهنم خالدا فيها .
وقد ساق الطبري أحاديث تثبت ذلك ، وفيها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أظنه قد أحدث حدثا ، أما واللّه لئن كان فعل ؛ لا أقيله في حل ولا حرم ولا سلم ولا حرب ؛ فقتل يوم الفتح » 60 قال ابن جريج وفيه نزلت هذه الآية ،
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً
.
3 - وقال آخرون : معنى ذلك : إلا من تاب .
قال مجاهد في هذه الآية : إلا من ندم .
4 - وقال آخرون : ذلك إيجاب من اللّه الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا ، كائنا من كان القاتل ، على ما وصفه في كتابه ، ولم يجعل له توبة من فعله ، قالوا : فكل قاتل مؤمن عمدا ، فله ما أوعده اللّه من العذاب والخلود في النار ، ولا توبة له ، وقالوا : نزلت هذه الآية بعد التي في سورة الفرقان .
وفي الحديث الصحيح 61 الذي رواه الإمام أحمد ، ورواه البخاري ، ومسلم ، أن رجلا قال ابن عباس - بعد أن كفّ بصره - أفرأيت إن تاب قاتل المؤمن عمدا ، وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس ثكلته أمّه ! وأنّى له التوبة ؟ فو الذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى اللّه عليه وسلم يقول : ثكلته أمّه قتل رجلا متعمدا ؛ جاء يوم القيامة آخذا بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجه دما ، في قبل عرش الرحمن ، يلزم قاتله بيده الأخرى يقول : سل هذا فيم قتلني ؟ ! والذي نفس عبد اللّه بيده ، لقد أنزلت هذه الآية ، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى اللّه عليه وسلم وما نزل بعدها من برهان 62 .
وقد وردت عدة آثار في هذا المعنى ، تفيد أن عبد اللّه بن عباس قال في شأن هذه الآية ، التي تحدثت عن جزاء قتل المؤمن عمدا : لقد نزلت في آخر ما نزل من القرآن ، وما نسخها شئ . وعن الضحاك بن مزاحم قال : ما نسخها شئ منذ نزلت ، وليس له توبة .
قال الطبري :
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه - إن جزاه - جهنم خالدا فيها ؛ ولكنه يعفو ويتفضل على أهل