والمعنى : لقد ظن اليهود أنهم لن يصيبهم بلاء بتكذيبهم للرسل وقتلهم لهم فأمنوا عقاب اللّه وتمادوا في فنون البغى والفساد ، وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية .
ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ
. أي : ثم تاب اللّه عليهم قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد ، ثم نكسوا على رؤوسهم مرة أخرى فعادوا إلى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على أنبيائهم إلا عددا قليلا منهم بقي على توبته وإيمانه .
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
. أي : واللّه تعالى عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شئ دون أن تخفى عليه خافية ، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم .
وتفيد الآية : أن فساد اليهود وعماهم وصممهم عن الحق قد حصل مرتين ، واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه :
الأول : أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى ثم تاب اللّه عليهم حيث وفق بعضهم للإيمان ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد صلى اللّه عليه وسلم .
الثاني : أن العمى الأول كان في زمن بختنصر البابلي ، وقد غزاهم سنة 606 قبل الميلاد ، ثم ساعدهم قورش ملك الفرس سنة 526 قبل الميلاد فعادوا لبلادهم وأعادوا بناء هيكلهم .
ثم عموا مرة ثانية ؛ فسلط اللّه عليهم الرومان بقيادة تيطس سنة 70 م .
قال القفال 161 : ذكر اللّه تعالى في سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
. ( الإسراء : 41 )
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي 162 بعد أن نقل عن الفخر الرازي آراء المفسرين ثم عقب قائلا :
« والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها - هذا التحديد غير مقنع ، ولعل أحسن منه أن تقول :
إن القرآن الكريم يصوّر ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة وطبائع معوجة ، ومن نقض للعهود والمواثيق . . . فهم أخذ اللّه عليهم العهود فنقضوها ، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم ، وظنوا أن عدوانهم هذا شئ هين ولن يصيبهم بسببه عقاب دنيوي ، فلما أصابهم العقاب الدنيوي كالقحط والوباء والهزائم . . . بسبب مفاسدهم ؛ تابوا إلى اللّه فقبل اللّه توبتهم ، ورفع عنهم عقابه ، فعادوا إلى