أي : فإن كنت مصمما على دخول الأرض المقدسة ، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها الجبابرة وإخراجهم منها - وكأنهم يصورون اللّه بأنه إله موسى وحده ، وليس إلها للجميع - أما نحن فإنّا هاهنا قاعدون منتظرون وهو تأكيد منهم لعدم دخول تلك الأرض .
أي : إنا هاهنا قاعدون في مكاننا لن نبرحه ، ولن تتقدم خطوة إلى الأمام ؛ لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين ، فنحن في غنى عنه ولا رغبة لنا فيه .
25 -
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
. أي : قال موسى باثّا شكواه وحزنه إلى اللّه ، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم وجبنهم :
رب ، إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسي ، وأمر أخي هارون ، ولا أحد من هؤلاء الجبناء أستطيع أن أحمله على الطاعة والاستجابة إلى ما دعوت إليه .
فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
. أي : إن قومي قد خرجوا عن طاعتي ، وفسقوا عن أمرك وما دام هذا شأنهم ؛ فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل ، بأن تحكم لنا بما نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون ، فإنك أنت الحكم العدل بين العباد .
26 -
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ . . .
الآية
يتيهون في الأرض من التيه وهو الحيرة ، يقال : تاه يتيه ويتوه إذا تحيّر وضل الطريق ، ووقع فلان في التيه أي : في مواضع الحيرة .
فَلا تَأْسَ
. أي : فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن ، يقال : أسى - كتعب - أي : حزن . فهو أسين مثل حزين ، وأسا على مصيبته - من باب عدا - أي : حزن .
أي : قال اللّه تعالى : يا موسى ، إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة ، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر ولا يستقر لهم قرار ، جزاء جبنهم وضعفهم عن لقاء الأعداء ، واستهانتهم بأوامر اللّه .
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
. فلا تحزن يا موسى على هؤلاء الجبناء ، إذ عوقبوا بهذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا ، وتمردهم على أوامرنا ، وجبنهم عن قتال أعدائنا ، وسوء أدبهم مع أنبيائنا .