تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1062

مساهمون:

ص١٠٦٢
3 - من مقدمة ابن خلدون : قال ابن خلدون : ويظهر من مساق قوله تعالى :
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ . . .
ومن مفهومه أن حكمة ذلك التيه مقصودة ، وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ، وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة ، فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ، ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر ، فسبحان الحكيم العليم . . . 64 . حكمة عقوبة التيه لبنى إسرائيل : جاء في تفسير المنار للسيد رشيد رضا ما يأتي : « إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد وتساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذل نفوسها . . . وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية ، والطباع الخلقية ، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ، ويتفلت منك ليقتحم فيها ، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ، ويجرون عليه من خير وشر ، وإيمان وكفر . . . . أفسد ظلم فرعون فطرة بني إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطابع المهانة والذل . وقد أراهم اللّه - تعالى - من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى - عليه السلام - وبين لهم أنه أخرجهم من مصر ؛ لينقذهم من الذل إلى الحرية . . . ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى ، ويذكرون مصر ويحنون إليها . . . وكان اللّه - تعالى - يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين ، وأن وعده - تعالى - لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشرى ، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية . . . ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة . وعدل الشريعة ، ونور الآيات الإلهية ، وما كان اللّه ليهلك قوما بذنوبهم ، حتى يبين لهم حجته عليهم ، ليعلموا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم . وعلى هذه السنة العادلة أمر اللّه - تعالى - بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ، فأبوا واستكبروا ؛ فأخذهم اللّه بذنوبهم . وأنشأ من بعدهم قوما آخرين . . . فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها اللّه لنا ، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد . إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها » 65 .