والمقصود بهذا الاستطراد : تقوية الردّ على النصارى وتأكيده حيث زعموا أن عيسى إله مع اللّه فلن يكون عبدا له ، ولما كان منشأ ذلك عندهم ، أن عيسى خلق من غير أب ، بين اللّه لهم أن الملائكة خلقوا من غير أب ولا أم ، ولهم عند اللّه تلك المكانة العالية ، وأنهم أكمل حالا في العلم بالمغيبات ، وفي القدرة على حمل ما لا يستطيعه البشر ، وهم - مع ذلك - لا يأنفون من وصفهم بالعبودية ، بل يعتزّون بأنهم عباد اللّه . . . فكيف يأنف عيسى من ذلك ؟ والعبودية للّه أعلى مراتب الشرف ، وأعظم درجات الكمال ، كما قال الشاعر :
ومما زادنى عجبا وتيها * وكدت بأخمصى أطأ الثريّا
دخولي تحت قولك يا عبادي * وأن صيرت أحمد لي نبيا
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
. أي : ومن يأنف من عبادة اللّه ويمتنع عنها ، ويأبى الخضوع لطاعة اللّه ، ويستكبر عن كل ذلك ، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره ، فإن مردّ العباد جميعا إليه - سبحانه - وسيجازى المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته .
173 -
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
. أي : فأما الذين حققوا في نفوسهم هذين الوصفين العظيمين : الإيمان والعمل الصالح فيجزيهم اللّه على ذلك جزاء وافيا ثابتا لا شك فيه ، ويزيدهم اللّه في الثواب والجزاء بمنه وفضله فلهم سعادة الدارين ، ولهم الحسنى وزيادة .
جاء في تفسير ( في ظلال القرآن ) للأستاذ سيد قطب :
إن الذين أقروا بعبوديتهم للّه هم الذين آمنوا فعرفوا حقيقة الصلة بين الخالق والمخلوق ، وعملوا الصالحات ؛ لأن عمل الصالحات هو الثمرة الطبيعية لتلك المعرفة ، وما يريد اللّه من عباده أن يعبدوه ؛ لأنه بحاجة إلى عبادتهم ، ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى أو تنقص منه شيئا .
ولكن يريد أن يعبدوه وحده ؛ ليستعلوا على كل من سواه ، وليرفعوا جباههم أمام المتجبرين والطغاة ، معتزين باللّه ، وليعملوا الخير يبغون بالخير قربه ورضاه ، وليتجردوا من شهواتهم وعصبيّاتهم وملابساتهم الأرضية متطلعين إلى وجهه في علاه ، وليرتفعوا عن ثقلة الأرض وضروراتها ، وهم يطلعون إلى ذلك الأفق الوضيء الكريم : لهذا يوفيهم أجورهم ، ويزيدهم من فضله ؛ لأنهم عرفوا ، ولأنهم عملوا ، ولأنهم أصلحوا في الأرض ، ولأنهم زادوا في محصول الحياة .