تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 1004

مساهمون:

ص١٠٠٤
تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
( السجدة : 7 - 9 ) . والرأي الأول أولى ، وعلى ذلك يكون معنى قوله :
وَرُوحٌ مِنْهُ
. أي : أنه نشأ بنفخ اللّه الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ونطفة تتشكل إنسانا وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل . وسمى اللّه تعالى - عيسى - روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ؛ ولأنه غلبت عليه الروحانية . وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس له ، وما ليس من شأنه ، إذ جعلوه إلها ، أو ابن إله 25 . ويقول الأستاذ سيد قطب : إن كل مخلوق يوجد بكلمة من اللّه .
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. ( يس : 82 ) ، فالكلمة هي توجه الإرادة ، وليس عيسى بدعا في ذلك فهو كلمة اللّه ،
وَرُوحٌ مِنْهُ
. هو هذا الروح الذي كان به آدم إنسانا ، وجسده لا يزيد عنصرا واحدا على عناصر التراب ، ولا يتميز إلا بهذا الروح الذي تلقاه من اللّه ، هذا الروح كذلك تلقته مريم - على نحو لا ندركه نحن ، ولم تدركه هي ، بل عجبت أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر - فكان منه عيسى كما كان منه آدم ، كلاهما تلقاه أول مرة فإذا هو إنسان حىّ لا عن ولادة معهودة ، ولكن عن طريق مباشر ، وكلاهما فيه سواء مع بعض الاختلاف 26 .
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
. أي : إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى ، فآمنوا باللّه إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
. ولم يقل : ولا تؤمنوا بثلاثة للإشارة إلى أن أمر الثلاثة قول يقولونه ، فإن سألتهم عن معناه تارة يقولون : الأب والابن والروح القدس ، أي : إنهم ثلاثة متفرقون ، وتارة يقولون : الأقانيم ( الصفات ) ثلاثة والذات واحدة . جاء في تفسير الكشاف للزمخشري : والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأن المسيح ولد اللّه من مريم ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
. ( المائدة : 116 )