وهذا القول يناقض الدليل الواضح والقول الثابت إذ الإله لا يلد ، ولا يولد ، فإن ذلك أمارة الحدوث ، وعلامة الاحتياج .
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
. أي : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه ، أرسله سبحانه لهداية الناس إلى الحق ، وليس إلها من دون اللّه ، ولا ابنا للّه كما تدعون .
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
. أي : وعيسى كلمة اللّه ، أي : أنه تكوّن في بطن أمّه ، وجد بسبب كلمة اللّه وأمره : ( كن ) كما قال تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. ( آل عمران : 59 ) .
وَرُوحٌ مِنْهُ
. أي : ونفخة منه لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم ، فكان عيسى بإذن اللّه فنسب إلى أنه روح من اللّه ؛ لأنه بأمره كان ، وسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح تخرج من الروح .
قال تعالى :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
. ( الأنبياء : 91 ) .
وقيل : المراد بقوله :
وَرُوحٌ مِنْهُ
. أي : وذو روح من أمر اللّه ؛ لأنه سبحانه خلقه كما يخلق سائر الأرواح .
وقيل : الروح هنا بمعنى : الرحمة ، كما في قوله تعالى :
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
. أي : برحمة منه ونعمة .
أي : أن عيسى - عليه السلام - لما كان رحمة من اللّه لقومه ونعمة عظيمة منه عليهم ، من حيث إنه كان يرشدهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، سمى روحا منه - سبحانه وتعالى - وكانت منه تشريفا وتعظيما له عليه السلام .
والمعنى : أن عيسى روح عظيمة ، وهبة ، جليلة ، مبتدأة من اللّه .
تفسير للشيخ محمد أبو زهرة :
قال الشيخ أبو زهرة رحمة اللّه عليه : وقوله :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
. أي : خلقه بكلمة منه وهي كن كما خلق آدم ، وكان عيسى بهذا كلمة اللّه ؛ لأنه خلقه بها ، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد ، وللأسباب التي تجرى بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة اللّه وحده وكلمته كن وبذلك سمى كلمة اللّه .
وتعلّق النّصارى بأن كون عيسى كلمة اللّه دليل على ألوهيته - تعلق باطل - فما كانت الكلمة من اللّه إلها يعبد ، وإنما سمى بذلك ؛ لأنه أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين ، وقد يقال : إنه نشأ بروح منه سبحانه أي : أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال