تمهيد :
أنصف القرآن عيسى . فقد اتهم اليهود أمّة بالزنى ، كما أنصفه من ادعاء النصارى بأنه إله أو نصف إله . والمسيحية ديانة من ديانات التوحيد .
قال صاحب الظلال :
( والثابت من البحث العلمي في تطور العقائد المسيحية أن عقيدة التثليث لم تصاحب المسيحية الأولى ، إنما دخلت إليها بعد فترة ، ودخلت إليها في خطوات متدرجة ودخلت إليها مع الوثنيين الذين دخلوا في المسيحية ولم يبرءوا بعد من التصورات الوثنية والآلهة المتعددة ، وقد ظل الموحدون المسيحيون يقاومون إلى ما بعد القرن الخامس الميلادي على الرغم من كل ما لقوه من اضطهاد .
وما تزال فكرة التثليث تصدم عقول المثقفين من المسيحيين ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق وبالإحالة إلى مجهودات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم يكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض 23 .
171 -
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
. وأهل الكتاب لفظة تعم اليهود والنصارى ، ولكن سياق النص هنا ، يخصصها بالنصارى .
وغلوّ النصارى في دينهم : أنهم أفرطوا في تقديس عيسى عليه السلام - حتى أخرجوه من مرتبة البشرية واتخذوه إلها من دون اللّه وجعلوه ابنا له .
من تفسير ابن كثير :
قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا . . .
ينهى - سبحانه - أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزوا الحدّ في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللّه إياها ، فنقلوه من حيز النّبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون اللّه ، يعبدونه كما يعبدون اللّه .
وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا : عبد اللّه ورسوله » 24 .
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
. أي : ولا تفتروا على اللّه كذبا لا أساس له ، ولا دليل يعتمد عليه ، وهو قول النصارى :
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
. ( التوبة : 30 ) .