وقيل : إن قوله :
غُلْفٌ
: جمع غلاف - ككتب وكتاب وعليه يكون المعنى :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
. أي : أوعية للعلم شأنها في ذلك شأن الكتب فلا حاجة بنا إلى علم جديد .
والتأويل الأول أقرب إلى سياق الآية فقد ردّ اللّه عليهم بقوله :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
.
والمعنى : ليست قلوبهم مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق كما زعموا ، بل الحق : أنّ اللّه تعالى ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة ، وإيثارهم الغى على سبيل الرشاد .
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
.
أي : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، ليس له وزن عند اللّه لفقدانه العناصر الضرورية لصحته ، ومن هذه العناصر : صدق اليقين ، ومحبة اللّه ، وإخلاص الوجه له ، وقريب من ذلك قوله تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . .
( الحجرات : 14 ) .
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي :
فقوله :
إِلَّا قَلِيلًا
: نعت لمصدر محذوف أي : إلا إيمانا قليلا ، كإيمانهم بنبوة موسى عليه السلام ، وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند اللّه ، لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم ، يعتبره الإسلام كفرا بالكلّ كما سبق أن بينّا في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا * أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا . . .
( النساء : 150 ، 151 ) .
ومنهم من جعل قوله :
إِلَّا قَلِيلًا
. صفة لزمان محذوف أي : فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا .
ومنهم من جعل الاستثناء في قوله :
إِلَّا قَلِيلًا
. من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو في قوله
فَلا يُؤْمِنُونَ
. أي : فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم : كعبد اللّه بن سلام وأشباهه . والجملة الكريمة وهي قوله :
طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
. معترضة بين الجمل المتعاطفة ، وقد جئ بها للمسارعة إلى ردّ مزاعمهم الفاسدة وأقاويلهم الباطلة 11 .