تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 935

مساهمون:

ص٩٣٥
125 -
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ . .
يحتاج العمل المقبول إلى ركنين أساسيين : الأول : الإخلاص للّه تعالى بهذا العمل ، وأن يقصد به وجه اللّه ، وأن يبعد به صاحبه عن الرياء والسمعة . الثاني : أن يكون العمل موافقا للشرع ، فقد حسنه الشرع فلا حسن إلا ما حسنه الشرع . ومتى فقد العمل واحدا من هذين الركنين فسد ، فمن عمل عملا لغير اللّه لم يقبله اللّه ، ومن عمل عملا غير موافق لأصول الدين وقواعده وأحكامه كان مردودا عليه ، والآية تثبت ذلك والاستفهام منها بمعنى : النفي الإنكارى ، والمعنى : لا يوجد أحسن - في الدين - ممن أخلص نفسه وذاته للّه ، فلم يعرف لها ربا سواه ، ولم يتوجه بوجهه لغيره سبحانه ، يفعل ذلك وهو محسن في عمله بألا يترك واجبا ، ولا يفعل محرما .
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
. قال ابن كثير : ( وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة ) فمن آمن باللّه ربّا وبمحمد رسولا ، واختار الإسلام دينا ؛ صار متبعا ملة إبراهيم عليه السلام في العقائد وأصول الأحكام . ومعنى
حَنِيفاً
: أي : مائلا عن الأديان الزائفة ؛ حال من إبراهيم عليه السلام ويجوز أن يكون حالا من فاعل
وَاتَّبَعَ
. أي : سار على الإسلام ملة إبراهيم حال كونه مائلا عن الأديان التي تشرك باللّه سبحانه وتعالى .
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا . .
تذييل جئ به ؛ للترغيب في اتباع ملته عليه السلام والمعنى : أحبّ اللّه إبراهيم حبا كاملا ، لا خلل فيه ينقصه عن الكمال . قال الآلوسي : واتخذه اللّه خليلا ؛ لإظهاره الفقر والحاجة إلى اللّه تعالى ، وانقطاعه إليه ، وعدم الالتفات إلى من سواه ، كما يدل على ذلك قوله لجبريل عليه السلام حين قال له يوم ألقى في النار : ألك حاجة ؟ : أما إليك فلا ، ثم قال : حسبي اللّه تعالى ونعم الوكيل ، والمشهور أن الخليل دون الحبيب 118 . وليس في الآية ما يفيد قصر الخلة على إبراهيم ؛ فقد اتخذ اللّه نبينا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - خليلا أيضا . وروى مسلم : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ اللّه صاحبكم خليلا » 119 . وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي ، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ! » 120 .