وما أخرجه الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة قال : « لما نزلت هذه الآية ، شق ذلك على المسلمين ، وبلغت منهم ما شاء اللّه تعالى - فشكوا ذلك إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : سدّدوا وقاربوا ، فإنّ كلّ ما أصاب المسلم كفارة ، حتى الشوكة يشاكها ، والنكبة ينكبها » 115 .
ومن هذا الحديث ، نفهم أن اللّه تعالى ، يكفر الخطايا بالبلايا - صغرت أم كبرت - والأحاديث الواردة في هذا كثيرة .
ولهذا أجمع العلماء أن مصائب الدنيا وهمومها - وإن قلت مشقتها - تكفّر بها الخطايا ؛ إذا صبر صاحبها .
والأكثرون على أنها ترفع بها الدرجات ، وتكفر بها السيئات .
وهو الصحيح المعول عليه .
ومما صح في ذلك عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ، ومحيت عنه بها سيئة » 116 أورده الألوسى .
124 -
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
.
إنها العدالة الإلهية في عقاب المسىء ومكافأة المحسن ؛
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
.
وكان أهل الجاهلية يحجبون البنت من الميراث ويقولون : إنما يرث من يركب الفرس ويمسك السيف ، ويحمى القبيلة ، فسما الإسلام بالبنت وليدة وناشئة وزوجة وأما ، وجعلها شريكة للرجل في الإيمان والعمل الصالح والولاء ، وجعل لها الحق في البيع والشراء ، وتملك الأموال والعقار .
وفي هذه الآية يضع قاعدة عامة هي :
من يعمل شيئا من الأعمال الصالحة - من الذكور والإناث - في حال إيمانه ؛ فأولئك المؤمنون الصالحون يدخلون الجنة ، ولا ينقصون شيئا من الثواب على أي عمل ، ولو كان مشبها للنقير : في القلة ، والنقير : نقرة في ظهر النواة ، يضرب بها المثل في أدنى الأمور .
قال الأستاذ سيد قطب : وهذه الآية نص صريح على وحدة القاعدة في معاملة الذكر والأنثى ، وفي اشتراط الإيمان لقبول العمل .
وهذه الألفاظ الصريحة تخالف ما ذهب إليه الأستاذ ، الإمام الشيخ محمد عبده رحمه اللّه في تفسير جزء عم عند قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
. إذ رأى النص لعمومه هذا يشمل المسلم وغير المسلم بينما النصوص الصريحة الأخرى تنفى هذا تماما ، وكذلك ما رآه الأستاذ ، الشيخ :
المراغي رحمه اللّه ، وقد أشرنا إلى هذه القصة في جزء عم « الجزء الثلاثين من الظلال » 117 .